فيلمان في البرليناله الـ76: في أنّ الوثائقي ضد النسيان
عربي
منذ ساعة
مشاركة
يرصد "الجانب الآخر من الشمس"، للسوري توفيق صابوني، وقائع التعذيب البشع والممنهج في السجن، ويكشف "آثار"، للأوكرانيتَين أليسا كوفالينكو وماريسيا نيكيتيوك، الفائز بجائزة الجمهور/أفضل فيلم في بانوراما الوثائقي بالدورة الـ76 (12 ـ 22 فبراير/شباط 2026) لمهرجان برلين، جرائم الانتهاك والعنف الجنسي في الحرب. شهادتان ترصدان آليات إنتاج الرعب والترهيب والسيطرة والإذلال وكسر الإرادة، بالعنف والانتهاك. يتجلى اعتمادهما في الرصد والتناول بمخاطبة الخيال أساساً، إذ تبنّى الأول التوثيق عبر إعادة تمثيل الأحداث في المكان نفسه، استناداً إلى الضحايا، واعتمد الثاني التسجيل الصوتي، لاستدعاء تفاصيل الأحداث وتذكّرها، عبر شهادات الضحايا، في غياب مكان الجريمة. رغم الاختلاف الجغرافي بين السياقَين، واختلاف التجربتَين المرصودتَين، قدّم الوثائقيان التجربة الفردية للناجين بصفتها فعل مقاومة، يهدف إلى مُغالبة النسيان، وفضح ما جرى. ورغم الاعتناء بالتوثيق الدقيق والأمين والصادق لبشاعة الأحداث، انصبّ الاهتمام الأكبر على رصد الآثار والتبعات، إذ لم يعد الهدف، بعد مرور سنوات طويلة على الوقائع، التركيز على تقديم العنف بحدّ ذاته كحدث، بل كصدمة لا تزال آلامها ماثلة في النفس والوعي والجسد. إنهما يسمعان صوت من أُسكِتَ سنوات بالترهيب والقمع. عوامل كثيرة مشتركة بينهما تلفت الانتباه، لأنّ صابوني وكوفالينكو ضحيتا تعذيب وانتهاكات، إذ اعتُقل الأول وعُذِّب سنوات طويلة في سجن صيدنايا البشع بدمشق، وعانت الثانية الأسر والاغتصاب في اجتياح منطقة دونباس عام 2014، وكانت أول من قدّمت شهادتها لتشجيع الأخريات على تقديم شهاداتهنّ. هذا أضفى على الفيلمَين بُعداً ذاتياً، تجاوز التعاطف إلى المشاركة الفعلية في الألم المرصود. يعتمد "آثار" على تعددية الأصوات، فهناك سبع أوكرانيات تحدّثن عن كيفية النجاة من الاعتقال والتعذيب والاغتصاب، في الحرب الروسية الأوكرانية الحالية. بشاعة الشهادات جعلتها تتجاوز فرديتها، لتشكل ملفات اتهام جماعية، أخلاقية وإنسانية وسياسية، ضد العنف المنهجي عامة، وجرائم الحروب خاصة، ولا سيّما تلك الموجهة ضد النساء. البناء متعدّد الأصوات دفع الفيلم إلى تجاوز التوثيق الفردي لتصوير/تخيّل مُكثّف للصدمات الحاصلة، وفي الوقت نفسه فتح أفقاً للتضامن والتعاضد، مع تحوّل شهادات الناجيات إلى مساحة مشتركة للشفاء الجزئي، والفيلم إلى جزء من وثيقة قانونية محتملة.     حتى مقارنة بغيره، يمتلك "آثار" جماليات بصرية مرصودة بكثافة، ومتعارضة أصلاً مع بشاعة المروي. يتجلى هذا في افتتاحيته وخاتمته، وفي تقديم شهادة ناجية وهي تعتني، بِهِمَّة، بنباتات حديقتها. وأيضاً في رصد تبدّل الفصول في الغابات والحقول، وتساقط الجليد واختفائه، وسطوع الشمس وغيابها، ما خلق طبيعة وأجواء خلاّبة، ما أنتج مفارقة بصرية جدّ صارخة، بين ما يُشاهد ويُسمع عبر الذكريات المستعادة. هذا كلّه عَكْس ما فعله صابوني، الذي استغل الطرقات والزنازين والظلال والفضاءات المُقبضة، في سجن صيدنايا، لتكثيف حالة الكآبة الخانقة، من دون تعليق خارجي، ولا موسيقى، ولا أرشيف، مع كاميرا لا تشرح بل تراقب، وذلك باقتصاد صارم في توظيف الوسائل والأدوات الفنية، والابتعاد التام عن إبداع أي جماليات ملحوظة. ينتمي "آثار" إلى سينما الشهادة المروية/المسموعة، و"الجانب الآخر من الشمس" إلى سينما الشهادة الجسدية/المُمَثّلة، وفي الأخير جسد اعتمد على الذاكرة واستغلّ المكان لإعادة تمثيل أحداث التعذيب في السجن. تلك وسيلته الأساسية لتوثيق ما جرى في غياب، كلّي وتام، لأي أرشيف يُعتَمَد عليه. فبعكس تجربة الكمبودي ريثي بان، برصده تجارب مشابهة اعتمد فيها على صُور فوتوغرافية ومواد أرشيفية مُصوّرة ولقاءات مع جلادين، يعتمد صابوني فقط على أربعة سجناء سابقين، إضافة إليه، لتمثيل التجارب الشخصية. هكذا تقاطع الفيلمان باستعادتهما شهادات ضحايا أحياء، حاملين آثار التعذيب والعنف والاغتصاب بصفتها ذاكرة حية، وتسلّحا بجماليات الغياب في حضرة المكان، أو بتوظيفهما المكان، سجناً مغلقاً خانقاً، أو منازل وحقولاً مفتوحة ظاهرياً، أي سجناً مُحَاصِراً ومُقَيّداً الجسد، والأماكن الطبيعية المفتوحة. هذا نشَّط الذاكرة، واستدعى الذكريات. وبفضله، أصبح ما لا يُرى (التعذيب والاغتصاب) أكثر حضوراً وتأثيراً من أي تجسيد وتصوير مُباشرَين. إنّه تأكيدٌ ملموس على ما ذكره المخرج الفرنسي روبير بريسون بهذا الصدد. رغم أهميتهما، لا يخلو الفيلمان من إشكاليات عدّة، أهمها الاعتماد المكثّف على الشهادات المتتابعة، المُرهِقة في مستويات مختلفة، من دون تنويع كبير في الإيقاع، ما أدّى غالباً إلى برود عاطفي، وثِقل نفسي، وربما ملل عند المتفرج. من ناحية أخرى، يندرجان، نوعاً وموادّ وثيمة، في المعتاد سينمائياً، والمصنوع مراراً، وإن اختلفت الشخصيات والتجارب، كما أنهما أقرب إلى شهادات أرشيفيّة منه إلى فيلمين يهدفان إلى رصد السياق الأوسع للعنف وتفكيكه، مكتفِيَين بتقديم وثيقة إدانة وتذكير، وأحياناً تحميل المُشاهد مسؤولية أخلاقية وشعورية. رغم هذا، الفيلمان ضروريان للغاية، ومطلوبان بشدة، فأهميتهما تتجاوز حدود التجارب الشخصية، والبقعة الجغرافية، إلى إعادة تنشيط الذاكرة بخصوص قضايا عالمية راهنة.هذا النوع ليس للمُشاهدة بغرض التشويق والإمتاع والتسلية، بل توثيق تجارب فردية مجهولة، كي لا تُنسى.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية