رسائل دموية إلى الصحافيين في لبنان بعد غزّة
عربي
منذ 4 أيام
مشاركة
تُعدّ حماية الصحافيين في مناطق الحروب والنزاعات من القضايا الأساسية المرتبطة بحرية التعبير، وبحقّ الوصول إلى المعلومات والحقائق، إلّا أنّ الواقع في كلٍّ من غزّة ولبنان يُظهر تصاعداً مقلقاً في استهداف العاملين في المجال الإعلامي خلال تغطيتهم الأحداث. في غزّة سقط أكثر من 215 شهيداً منهم خلال الاعتداءات العسكرية الإسرائيلية، رغم وضوح هُويّتهم الصحافية، وقد وثّقت لجنة حماية الصحافيين و"مراسلون بلا حدود" جرائم قتلهم، معتبرةً أنّ المنطقة من أخطر البيئات للعمل الصحافي. في لبنان، يتعرّض الصحافيون للاستهداف في أثناء تغطية الحرب الإسرائيلية على الجنوب، إذ تتزايد العمليات العسكرية ويتوسّع نطاقها لتطاول عمليات الاغتيال اليومية بحقّ الصحافيين العاملين في الميدان من مراسلين ومصوّرين، وفي حالة عنف قصوى، يمارسها الجيش الإسرائيلي بمنهجية منتظمة، تهدف إلى تكرار سيناريو الترهيب ومنع الصحافة الغربية من دخول قطاع غزّة، وبهدف منع توثيق البيانات عن جرائم الحرب والتدمير بأشكاله الهستيرية/ الانتقامية في نحو 30 قرية في الشريط الحدودي اللبناني شمالي فلسطين المحتلة.ا الدولة العبرية مصمّمة على عدم احترام أيّ حدود في استهداف الصحافيين، ما يشكّل تهديداً مباشراً لحرية المهنة، ويستدعي تعزيز الحماية الدولية تطوّر مقلق ومؤشّر على فاشية حرب غير محدودة في لبنان، مع توسّع خريطة القصف والعنف والنزوح (2.2 مليون نازح)، واعتداءات تطاول المجتمعات المدنية مع إقفال عدة مستشفيات وعشرات مراكز الرعاية الصحّية في الجنوب. وتضيف إسرائيل جريمةً وأخرى إلى سجلّ جرائم الحرب التي ترتكبها منذ 8 أكتوبر/ تشرين الثاني 2023، أمام مجتمع دولي صامت عمّا يرتكبه الاحتلال من إرهاب لوسائل الإعلام في جرائم حرب متعمّدة وممنهجة ضدّ المدنيين والصحافيين والمسعفين، إذ استهدفت بالاغتيال مراسل قناة المنار علي شعيب، ومراسلة قناة الميادين فاطمة فتوني وشقيقها المصوّر محمّد فتوني في منطقة جزّين. وهذه ليست المرّة الأولى، فقد سبقتها عمليات قتل في حرب 66 يوماً، على الرغم من أنّ الصحافيين يُصنَّفون مدنيين وفق القانون الدولي الإنساني ويُفترَض حمايتهم من أيّ استهداف مباشر، إلا أنّ ضعف (أو انعدام) المساءلة واستمرار الحروب والأزمات يفاقمان المخاطر التي يواجهونها، ما يعكس خروج الأمور عن ضبط النفس لدى الاحتلال وإطلاق العنان لغريزة القتل، ولعنف أقوى لاحقاً. ليس تفصيلاً عابراً في الحرب أن يُقتل صحافيون في أثناء أداء مهام مهنة صارت مغامرة موت في جوهرها، مع إدراك مسبق بأنّ أيّ خطوة نحو مناطق الخطر قد تكلّف غالياً، والدولة العبرية مصمّمة على عدم احترام أيّ حدود في استهداف الصحافيين، ما يشكّل تهديداً مباشراً لحرية المهنة، ويستدعي تعزيز الحماية الدولية وضمان محاسبة المسؤولين للحفاظ على دور الصحافة ونقل الحقيقة (لبنان بصدد رفع شكوى دولية). لا يقتصر الأمر على الصحافيين المحلّيين، فقد نجا أخيراً صحافيان من قناة روسيا اليوم من غارة إسرائيلية في أثناء تغطيتهما قصف أحد الجسور الواصلة بين ضفّتَي نهر الليطاني. وكالعادة، يدافع الجيش الإسرائيلي عن نفسه بالقول إنّه "أصدر أوامر بإخلاء المنطقة". هذا يذكّر بضربات نُفّذت خلال الحرب السابقة في لبنان (2023 و2025)، قتلت 13 صحافياً أو مساعداً صحافياً في غارات الجيش الإسرائيلي على مناطق جنوبية، ومن أبرز الحوادث قتل الصحافي عصام عبد الله (2023)، ما أثار إدانات دولية واسعة، وخلصت تحقيقات دولية عديدة إلى أنّه قضى باستهداف متعمَّد. وغنيّ عن القول إنّ إسرائيل هي الجهة القاتلة، بمعزل عمّا إذا كانت أنشطة حزب الله قانونية أو غير قانونية لجهة خضوعها لأعمال السلطة الشرعية في لبنان. وهذا لا ينسحب على التغطية الإعلامية التي تتعرّض في لبنان لأشكال من العنف والتضييق، وفي أحيان كثيرة لهجمات إلكترونية (قناة إم تي في) أو القرصنة التي تتولّاها مجموعات هي جزء من "بروباغندا" الترهيب الذي يطاول عمل الصحافيين عبر تهديدهم بالقتل والضغوط المختلفة، في وقت تكرّر فيه إسرائيل ارتكاباتها التي تضاف إلى تاريخها في قتل الصحافيين، مثل شيرين أبو عاقلة وأترابها. لذلك، من الضروري تأمين حماية الصحافيين ورسم خطوط حمراء دولية لحمايتهم، لكي لا يتكرّر سيناريو غزّة في لبنان في ظروف قد تكون أكثر عنفاً تحصد عدداً أكبر من الأرواح، ولا تميّز بين أجساد المقاتلين في الجبهات وأجساد الإعلاميين وكاميراتهم، مع محاولة فهم ودرء المخاطر المحدقة في المهمّات التي تواجه بالقصف المباشر والمتعمّد، فيتحوّل الصحافي ضحية الصدام بوجه جنون المحتلّ وحربه التي لا تستثني أحداً، ما يساوي بالضرورة فقدان الحقيقة نفسها. وتشنّ إسرائيل الحرب من خارج القانون الدولي، وترسّخ منطق القوة العنصرية، فتفعل ما تشاء، وحياة الصحافيين، كما حيوات اللبنانيين جميعاً، غير مضمونة في واقع سيّئ جداً، وعرضة لإلحاق الأذى الكبير في معادلة مشؤومة من تضخّم القوة الهائلة لدولة فاقدة للإنسانية تقودها آلة قتل جهنّمية لتبرير احتلالها بوسائل القتل المتصاعدة والتدمير والاقتصاص من حزب الله في عقاب جماعي، مثل التعامل مع الصحافيين الذين يتحوّلون ذبيحةً خالصةً وبسيطة. حياة الصحافيين في لبنان، كما حيوات اللبنانيين جميعاً، غير مضمونة يركض الصحافيون والمسعفون إلى مناطق القصف وسط حشود من المدنيين تحاول إنقاذ الجرحى، أشلاء أجساد، بينما تستمرّ الطائرات في القصف. فتشتعل الحرائق وتعاني الأماكن اختناقات غير محتملة، ويختلط فيها العمل الصحافي بأعمال المتطوّعين والدفاع المدني والفوضى، فتتفكّك المجتمعات في حاضر متّجه نحو الدمار الساحق والنار حين تلتهم كلّ شيء. لذلك يتجدّد النقاش حول إرهاب القتل الذي لم يتوقّف حتى الآن في الشرق الأوسط من دون حساب أو رادع، إذ تستمرّ إسرائيل في ممارسة اغتيالاتها في كلّ مكان، وفي التظاهر بـ"أنّها تحترم حدود القانون من دون الإخلال بسلام المنطقة". تنفّذ ما تريده على مرأى ومسمع العالم والمنظّمات الدولية، ولا تميّز بين أصحاب السترات الصحافية وسواهم، وتحرق أجساد الطواقم على الأرض كما أجساد القرى والمدن، في وضع خطير جدّاً، وفي مشاهد تتكرّر بالتفاصيل المرعبة نفسها التي تتناقلها وسائل الإعلام وشبكات التواصل الاجتماعي. في فترة سبقت الحرب أخيراً، انخرطت وسائل ومعاهد الإعلام والأكاديميات المستحدثة في لبنان في ورش وحملات تدريب مهني أطلقتها منظّمتا مراسلون بلا حدود وآفاز، للتدريب على ارتداء السترة الصحافية ذات اللون الأسود، بهدف التأكّد من عناصر الحماية والدفاع عن حياتهم، وفي ضرورة تأمين ضمانات العمل والتأمين بشروط العمل القانونية في المؤسّسات الملزمة بالسهر عليهم في انتقالهم إلى مناطق الخطر، كي لا تتحوّل المهنة مسرحاً للقتل حين تهدّد جوهر الحياة نفسها. لكن درع PRESS لم يعد وسيلة حماية من دون غطاء الجسم الصحافي الدولي، وتكثيف التوعية حول السلامة المهنية، وتوثيق أيّ اعتداء على الصحافيين لمتابعته قانونياً والتواصل مع الجهات الدولية المعنية، ولا سيّما المحكمة الجنائية الدولية. ومن غير المقبول ترك الصحافيين هكذا، عزلاً وكاميراتهم في مواجهة كائنات القتل الحديثة، في مواجهة أكثر دموية ربّما في تاريخ المهنة والحروب، عبر استهدافات مباشرة يتبنّاها الاحتلال بصلافة ووقاحة وغطرسة قومية وعنصرية تخرق كلّ قواعد القانون الدولي، أي القيود التي يفرضها لحماية حرية التعبير والسلامة العامّة للصحافيين والمجتمع المدني.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية