مقامرة هرمز: تهديد الممرات للاقتصاد العالمي
عربي
منذ ساعة
مشاركة
لم يعد التوتر القائم في إيران مجرد فصل جديد من فصول الصراعات السياسية التقليدية التي اعتادها الشرق الأوسط؛ فالمشهد اليوم مختلف تماماً، إذ تحولت الجغرافيا من مسرح للعمليات العسكرية إلى سلاح جيواقتصادي بالغ الخطورة. وبينما تتجه الأنظار إلى أسراب المسيّرات وصواريخ الدفاع الجوي، تدور المعركة الأعمق والأكثر تأثيراً في صمامات الغاز، وممرات الشحن، وشاشات البورصات العالمية التي تكتسي بالأحمر يوماً بعد يوم. وما نشهده اليوم في مسار الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران يجسد، إلى حد كبير، ما حذر منه مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية، حيث تتبنى طهران استراتيجية "المناطق الرمادية". وهذه الاستراتيجية لا تهدف إلى خوض معارك بحرية كبرى ضد أساطيل متفوقة تكنولوجياً، بقدر ما تسعى إلى جعل كلفة استمرار الحرب غير مستدامة للغرب والشرق معاً. فمجرد زرع لغم واحد في مضيق هرمز، أو حتى التلويح بذلك، قد يدفع شركات التأمين العالمية، مثل "لويدز لندن"، إلى رفع أقساط الشحن بنسب كبيرة قد تصل إلى 500%. وهنا لا يكون الهدف تدمير السفينة، بل تدمير الجدوى الاقتصادية للإبحار في أهم ممر مائي عالمي، بما يضع صناع القرار في واشنطن وبرلين وبكين أمام ضغط شعبي متصاعد مع ارتفاع أسعار الوقود محلياً. تتبنى طهران استراتيجية "المناطق الرمادية" وهي لا تهدف إلى خوض معارك بحرية كبرى ضد أساطيل بقدر ما تسعى إلى جعل كلفة استمرار الحرب غير مستدامة للغرب والشرق معاً وفي السبعينيات كانت الأزمة أزمة نفط، أما اليوم فالأزمة لا تقتصر على النفط، بل تمتد إلى الغاز والمواد الوسيطة. وتشير وكالة الطاقة الدولية في تقاريرها الأخيرة إلى أن انقطاع 20% من إمدادات الغاز المسال العالمية المارة عبر هرمز قد يضع القارة الأوروبية أمام "شتاء صناعي" قاسٍ. ولم تقتصر الصدمة على جيوب المستهلكين، بل أصابت عصب الصناعات الثقيلة، مثل الأسمدة والصلب والكيماويات، فيما بدأت سلسلة التوريد المكسورة من حقول الغاز القطرية، لتنتهي في مصانع التكنولوجيا في تايوان ومزارع القمح في أفريقيا. وهكذا تتكرس صورة ما يمكن وصفه بأكبر تحدٍ لأمن الطاقة في التاريخ الحديث. وعلى الجانب الآخر من المشهد، يبرز زلزال مالي صامت ترصده مؤسسات التمويل الدولية. ففي غضون عشرين يوماً فقط، فرّ ما يزيد على 42 مليار دولار من الأسواق الناشئة القريبة من منطقة الصراع بحثاً عن ملاذات آمنة. وقد خلق هذا النزوح الجماعي لرؤوس الأموال ضغطاً هائلاً على العملات المحلية، وأدخل البنوك المركزية في مواجهة خيارات شديدة الصعوبة بين رفع الفائدة أو الانهيار النقدي. والأخطر من ذلك أن الشرخ الذي بدأ يتسع في النظام النقدي العالمي قد يدفع قوى كبرى إلى تسريع بناء أنظمة دفع بديلة بعيداً عن هيمنة الدولار، بما يفتح الباب أمام تغيرات عميقة في شكل النظام المالي الدولي. في المحصلة، يبدو أن الانتصار العسكري الخاطف، إن تحقق، لن يكون كافياً لمداواة جراح الاقتصاد العالمي. فالأضرار التي طالت الثقة الائتمانية وسلاسل التوريد، والتي اضطرت إلى الالتفاف حول رأس الرجاء الصالح بكلفة مضاعفة، صنعت واقعاً اقتصادياً يتسم بملامح ركود تضخمي ممتد. نحن في عام 2026 لا نحارب فقط من أجل حدود جغرافية، بل من أجل استعادة انسيابية العيش التي وفرتها العولمة الرخيصة يوماً ما، والتي يبدو أنها غرقت اليوم في مياه الخليج المشتعلة.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية