كلاب بيبل: لا لجدّية المعارض الفنية ولا لسلطة التكنولوحيا
عربي
منذ ساعة
مشاركة
في عمله "حيوانات عادية"، يقدّم الفنان الأميركي مايك وينكلمان، المعروف باسم بيبل (Beeple)، مجموعة من الكلاب الروبوتية المتحركة. حملت رؤوس هذه الكلاب ملامح بشرية مألوفة، مثل إيلون ماسك ومارك زوكربيرغ وجيف بيزوس، إلى جانب الفنّانَين الراحلَين آندي وارهول وبابلو بيكاسو. تتحرك الكلاب بين الزوار، ثم تتوقف فجأة لتخرج من مؤخراتها مطبوعات مولَّدة بالذكاء الاصطناعي تُسلَّم للجمهور. يعود العمل نفسه إلى الأضواء من جديد بعد الإعلان عن عرضه خلال أسبوع معارض برلين المستمر حتى العاشر من مايو/أيار المقبل، داخل فضاء المعرض الوطني الجديد في برلين، ذلك الصرح الذي صمّمه المعماري الحداثي ميس فان دير روهه. وكان العمل قد حظي بانتشار واسع منذ عرضه الأول في معرض آرت بازل ميامي بيتش العام الماضي، حيث تحوّل سريعاً إلى مادة بصرية قابلة للتداول، تُصوَّر وتُشارك وتُعاد صياغتها عبر منصات التواصل. لم يكن ذلك مفاجئاً، فالفنان الذي صنع شهرته عبر عالم الصور الرقمية، يعرف جيداً كيف يُنتج صورة قابلة للانتشار. لكن انتقال العمل من فضاء تجاري صاخب إلى مؤسسة فنية راسخة مثل المعرض الوطني الجديد في برلين، حيث يتحول العمل الفني عادة إلى موضوع للتأويل داخل تاريخ الفن، يطرح أسئلة مختلفة. لم يعد الأمر هنا مجرد عرض لافت أو مثير للضحك، فحضور العمل داخل هذا الصرح الفني يجعله جزءاً من خطاب مؤسسي يمنحه شرعية جديدة، ويعيد تأطيره داخل تاريخ الفن المعاصر. هنا، يتبدل موقع المتلقي أيضاً، من زائر يبحث عن تجربة لافتة في معرض فني، إلى مشاهد يقف داخل متحف، حيث تُحمَّل الأعمال عادةً بطبقات من المعنى والتأويل. ومع ذلك، يحتفظ العمل بخفته الظاهرة، وبقدرته على إثارة الضحك أو الدهشة، كأنه يقاوم الجدية التي يفرضها المكان. ضمن هذا الإطار، تبرز مسألة اختيار الوجوه التي تحملها الكلاب، لماذا هؤلاء تحديداً؟ عرض توليدي يقوم على لا نهائية الإنتاج وعدم اكتماله إن حضور إيلون ماسك ومارك زوكربيرغ وجيف بيزوس لا يبدو اعتباطياً، فهم يمثلون نماذج مختلفة لسلطة تكنولوجية باتت تؤثر في تفاصيل الحياة اليومية، من وسائل التواصل إلى التجارة إلى استكشاف الفضاء. هذه الشخصيات تحولت مع الوقت إلى رموز ثقافية، تُتابَع تصريحاتهم، وتُناقَش قراراتهم، وتُصاغ حولهم سرديات شبه أسطورية. وضعُ هذه الوجوه على أجساد كلاب روبوتية يخلق مفارقة بصرية حادة بلا شك، فالسلطة هنا تُختزل، وتُعاد صياغتها في هيئة كائنات يمكن توجيهها، أو حتى السخرية منها. لا يسعى العمل إلى السخرية من هذه الشخصيات على ما يبدو بقدر سعيه إلى إعادة ترتيب العلاقة بين المتلقي وهذه الرموز، عبر إزاحتها من موقع الهيبة إلى موقع اللعب أو التناول الساخر. إلى جانب ذلك، يضيف حضور آندي وارهول وبابلو بيكاسو طبقة أخرى من التعقيد، فهذان الاسمان ينتميان إلى تاريخ مختلف، حيث كانت السلطة الفنية تُبنى داخل الحقل الثقافي نفسه، لا خارجه. وارهول، تحديداً، كان قد اشتغل على فكرة تحويل المشاهير إلى صور قابلة للتكرار والاستهلاك، بينما ارتبط اسم بيكاسو بفكرة العبقرية الفردية والتجديد المستمر. جمع هذه الشخصيات مع رواد التكنولوجيا داخل العمل نفسه يفتح المجال لقراءة تقارن بين نوعين مختلفين من السلطة، الأولى سلطة فنية تقليدية، كانت تحتاج إلى مؤسسات ثقافية ونقاد ومتاحف لترسيخ حضورها؛ والأخرى سلطة تكنولوجية معاصرة، تنبثق من الهيمنة الاقتصادية والإعلامية والتقنية. فهل نحن أمام امتداد لهذا التاريخ، أم أمام قطيعة معه؟ وهل أصبحت شهرة رجال التكنولوجيا تضاهي، أو حتى تتفوق على، مكانة الفنانين في المخيال العام؟ في هذا السياق، يمكن النظر إلى العمل بوصفه تعليقاً على تحوّل مفهوم الأيقونة. لم تعد الأيقونات تُنتج داخل إطار الفن فقط، بل تُصاغ أيضاً في فضاءات الاقتصاد الرقمي والإعلام. هذه الأيقونات الجديدة تمتلك قدرة هائلة على الانتشار، لكنها أيضاً عرضة لإعادة التدوير والسخرية. هنا، يلعب الفنان على هذا التوتر، مستفيداً من قابلية هذه الوجوه للتحوّل إلى صور، ثم إلى نماذج، ثم إلى كائنات هجينة تجمع بين الإنسان والآلة. غير أن العنصر الأكثر إثارة في العمل يظل مرتبطاً بآلية الإنتاج نفسها. الكلاب هنا تنتج مطبوعات تُقدَّم للجمهور، في فعل يبدو للوهلة الأولى طريفاً، لكنه يحمل دلالات أعمق. هذه المطبوعات جزء من العمل نفسه وليست مجرد إهداءات تذكارية منفصلة عنه؛ فهي تُنتج داخل العرض، وتختلف كل مطبوعة عن الأخرى لأنها مولدة بالذكاء الاصطناعي. الإنتاج هنا لا يأتي نتيجة عملية إبداعية تقليدية، بل عبر نظام آلي يعتمد على الذكاء الاصطناعي. الصور الناتجة قد تكون مختلفة في الشكل، لكنها تنتمي إلى منطق واحد، وهو التوليد المستمر، بلا نهاية واضحة. في هذا المعنى، يتحول العمل إلى نوع من التعليق على فائض الصور الذي يميز عصرنا، حيث يمكن إنتاج عدد لا نهائي من الصور خلال وقت قصير. هذا الاستخدام للذكاء الاصطناعي لا يبدو محايداً، فهو يُقدَّم وسيطاً يطرح أسئلة حول طبيعة الإنتاج الفني نفسه. ماذا يعني أن تُنتج صورة اليوم؟ وما الفرق بين صورة صُنعت عبر جهد فردي، وأخرى خرجت من نظام توليدي؟ هذه الأسئلة لا تُطرح بشكل مباشر، بل تُترك لتتسلل عبر التجربة نفسها، حيث يتلقى الزائر منتجاً جاهزاً، قد يحتفظ به، أو يتخلص منه، دون أن يعرف بالضبط قيمته أو موقعه. إعادة تعريف للإبداع من فعل فردي إلى عملية تنظيم وتوجيه هنا، يمكن استحضار تجربة الفنان الأميركي آندي وارهول (1928-1987) مرّة أُخرى، ولكن من زاوية مختلفة. وارهول كان قد اشتغل على تكرار الصور، وعلى تحويلها إلى سلع بصرية، تعكس منطق الاستهلاك. لكن التكرار في عمله كان لا يزال مرتبطاً بعملية إنتاج مادية، وإن كانت ميكانيكية؛ فطباعة الشاشة الحريرية التي استخدمها كانت تتطلب تدخلاً بشرياً في كل مرحلة من مراحل الإنتاج. في المقابل، يبدو أن العمل الحالي يدفع هذه الفكرة إلى أقصاها، حيث يصبح التكرار لانهائياً، والإنتاج منفصلاً تقريباً عن الجهد البشري المباشر، إذ يتولى نظام الذكاء الاصطناعي توليد الصور بشكل متغير ومستمر. إذا كان وارهول قد عكس ثقافة الاستهلاك في زمنه، فإن العمل الجديد يعكس مرحلة مختلفة، حيث لم تعد المشكلة في استهلاك الصور، بل في فائضها. هذا الفائض يغيّر أيضاً علاقة الجمهور بالعمل الفني، والذي تحول إلى شيء يمكن امتلاكه بسهولة، أو حتى تجاهله. المطبوعات التي تُنتجها الكلاب الروبوتية ليست قطعاً فريدة بالمعنى التقليدي الذي يرتبط بالعمل الفني الواحد الأصيل، بل هي نسخ متعددة ومتغيرة، لا تحمل قيمة مادية كبيرة بالمعنى السوقي التقليدي، لكنها تكتسب معناها من التجربة نفسها. في هذا الإطار، يتحول المتلقي من مشاهد إلى مشارك، يأخذ معه جزءاً من العمل، دون أن يكون هذا الجزء بالضرورة ذا قيمة مستقلة. في الوقت نفسه، يطرح العمل سؤالاً حول دور الفنان في هذا السياق. بيبل، الذي اشتهر بإنتاج الصور الرقمية، يبدو هنا أقل حضوراً بوصفه صانع صورة، وأكثر حضوراً بوصفه مصمماً لنظام. هو لا ينتج كل صورة على حدة، وإنما يضع الشروط التي تسمح بإنتاج عدد لا نهائي من الصور. هذا التحول يعيد تعريف فكرة الإبداع نفسها، من فعل فردي إلى عملية تنظيم وتوجيه. داخل فضاء المعرض يكتسب هذا كله بعداً إضافياً، فالمبنى، بتصميمه الحداثي الصارم الذي يجمع بين الشفافية والصلابة، يوفّر خلفية تبدو في تناقض مع طبيعة العمل الساخرة. هذا التناقض يُستثمر هنا جيداً، حيث يتحول البهو إلى مسرح لحركة الكلاب، ولتفاعل الجمهور معها. في هذا المشهد، تختلط عناصر متعددة، من العمارة الحديثة، والتكنولوجيا المعاصرة، والسخرية البصرية، إلى الجمهور الذي يتحرك بينها جميعاً. ومع استمرار حركة الكلاب، وتكرار فعل الإنتاج، يتشكل إيقاع خاص داخل المكان، إيقاع لا يعتمد على سرد واضح، بل على تكرار الفعل نفسه. كل مرة يتوقف فيها أحد الكلاب لينتج مطبوعة، يتجدد المشهد، دون أن يتغير جوهرياً. هذا التكرار لا يبدو مملاً، بل أقرب إلى عرض مفتوح، يمكن الدخول إليه في أي لحظة، والخروج منه دون شعور بالاكتمال. وهذا الانفتاح وعدم الاكتمال يتناغمان مع طبيعة العمل القائم على التوليد المستمر، حيث لا نهاية متوقعة للإنتاج، ولا لحظة محددة تشكل خاتمة ضرورية للتجربة.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية