في مهبّ الرياح
عربي
منذ 6 أيام
مشاركة
حين وجدها، كان يجوب الأرياف بحثاً عن مهارات البقاء على قيد الحياة التي لا يعرف عنها الجيل الجديد، ما بعد الإبادة، شيئاً. كان مهووساً بالعثور على تلك الوسائل التي ساعدت أهل غزّة، أو من تبقى منهم، على البقاء. وكان أيضاً يفكّر بمدوّنة مكتوبة أو محفورة يتركها لمن تُكتب له الحياة إن انفجر الخطر النووي المُحدق، هذه الأيام، بسكان المنطقة. لذا بدت له تلك القرية النائية على الحدود اللبنانية الفلسطينية كنزاً بصرياً، سرعان ما فهم أنّه يحوي مفاتيح كثيرة لما كان يبحث عنه. بدت القرية كما لو أنّها "ستوديو" جاهز لتصوير مسلسل تاريخي، ببيوتها المبنية بالحجارة والطين واللُّبن، والتي حافظت على شكل عمائرها وهندسة بيوتها من قرن سابق. كلّ شيء في القرية، والتي ظنّ للوهلة الأولى أنّها مهجورة، كان منحنياً نحو الأرض، بشدّة. والثابت أن ذلك لأنّها بُنيت هنا منذ قرن ونصف في ممرّ للرياح، لا تحجبها عنها أو تحميها منها جبال أو غابات. يكاد الشجر الذي زُرِع وسط الحقول، ينمو أفقياً. حقول مهملة منذ زمن بعيد، اختلطت فيها الاعشاب المجنونة بسنابل قمح بقيت تنبت بإصرار من ذاكرة الأرض، من زراعات غابرة، كما لو أنّها كانت تحاول أن لا تنسى من هي وأين هي وما هي مهمّتها.  وكان للشجر الذي كبر تحت وطأة هبوب الريح المُستمر، القدر نفسه، فنما مائلاً صوب الأرض بشدّة، كأنّما جاذبية هذه الأرض، تحته تحديداً، أقوى بعشر مرّات من أيّ مكان آخر. لا فرق بين صنوبر مُتكبّر أو صفصاف مرن. حتى أعمدة الكهرباء الخشبية القديمة، بدت كما لو كانت تخضع لذاكرتها حين كانت شجرة، تتأثّر بتلك الريح الهبوب. خُيّل إليه أنّها تكافح بشدّة للانفلات من بقية الأسلاك التي لا زالت تربط بعضها ببعض، والتي تقطّع معظمها كأنّما بسبب قوّة تلك الجاذبية. لهذا سميت القرية: "النفاخية"، أي حيث يُنفخ الهواء بشدّة.  حقول مهملة منذ زمن بعيد، اختلطت فيها الأعشاب المجنونة بسنابل قمح بقيت تنبت بإصرار من ذاكرة الأرض في الشتاء يُسمع للرياح صوت يكاد يكون آدمياً. هنا، تفهم لم يُقال إنّ الرياح تولول أو تعول، خصوصاً في فصل الشتاء، أو حين يموت أحد سكانها الأصليين القلائل المُتبقين بعد هجرة الأغلبية إلى الأرجنتين على مدى عقود متلاحقة. أو حتى، كما يقول عجائز القرية، حين يموت أحد الأبناء المهاجرين في الغربة. لا بل إنّ بعضهم كان يؤكّد أنّه سمع الرياح تولول حتى قبل أن يصل الخبر بالتلغراف. حينها يفتح بعض العجائز أبواب بيوتهم ويقفون على عتباتها شاخصين إلى الأفق كمن ينتظر أن يطلّ الخبر من مكان ما هناك كما لو كان شخصاً.  تبدو القرية ببيوتها التي من قرن آخر، كما لو كانت أستوديو تصوير سينمائي. استديو صحيح، لكنه مهجور بعد انتهاء التصوير. لم يتبق إلّا بعض الأشخاص التقنيين الذين سينظّفون المكان ويوضّبون ما تبقى من أدوات. أشخاص لا علاقة لهم بالفيلم. ليسوا أبطالاً ولا يؤدون حتى أدواراً ثانوية. أشخاص خلف الكاميرا، متفرّجون من المارة. تبدو النفاخية مهجورة مع أنّها مأهولة، ربما لأنّها مأهولة من دون أهلها، ومؤقّتاً... منذ ما يقارب القرن ونصف.  حين وصل شدياق شدياق إلى النفاخية بأمل الحصول على الوصفات القديمة للبقاء على قيد الحياة، كانت المنطقة تتحضّر للانتخابات البرلمانية.  هكذا، وقف أمام الكنيسة الفارغة بشكل مدهش صباح هذا الأحد. ظنّ بداية أنّ أهل القرية يقترعون في مكان ما غير هذا الذي حدّدته وزارة الداخلية كقلم اقتراع. لكنه تنبّه أنّ الانتخابات لن تجري قبل الأحد المقبل. كانت الكنيسة فارغة وباردة. وحتى المذبح، لم تكن شموعه مُضاءة. نظر إلى السقف العالي، كما كان يجيد قدامى المعمرجية تشييده، وقرأ في الأعلى لوحة حجرية قديمة حُفِر عليها: رمِّمت هذه القبّة بتبرّعات الجالية النفاخية في الأرجنتين. حزيران في العام ١٩٣٢ ميلادي. يقف شدياق مُستمتعاً ببرودة الكنيسة الحجرية بعد قيظ الصيف في الخارج. يئن باب خشبي في الخلف وهو ينشق عن كاهن سبعيني، بدا أنّه سارع إلى الكنيسة عندما أخبره أحدهم أنّ غريباً، قد يكون صحافياً، دخلها. الحرب والمجاعة دفعتا بعض العائلات لركوب البواخر من بيروت إلى مجاهل العالم الجديد البعيد بداية، أخبره الكاهن، وقد تبيّن أنه المختار أيضاً، والرجل الوحيد المُتبقي من سكانها الأصليين، أنّ القرية، على ما حدّثه جده، كانت عامرة قبل مئة سنة بالمؤمنين. وفي أيام الآحاد، كانت الكنيسة لا تتسع لكثرة المصلين. وأنّهم لذلك مهّدوا الفسحة أمامها وبلطوها بالرخام، واستعدوا لبناء مُلحق لها لولا وقوع الحرب الكبرى. يخبره أيضاً أنّ أهالي القرية كانوا، وعلى الرغم من إزعاج الرياح، مرتاحين مادياً مع أنّ أكثرهم من الفلاحين. فالقرية، إضافة لخصوبة حقولها، كانت ممرّاً اضطرارياً بين فلسطين ولبنان. لذا ازدهرت فيها أنواع من التجارة التي تسود في محطات القوافل قديماً، كالخانات التي كانت، قبل تكاثر السيارات، تؤمن ما يحتاجه المسافرون من طعام وشراب إن كان للبشر، أو علفاً وسقاية للخيول والبغال. إلا أنّ الحرب الأولى والمجاعة التي تسبّبت بها دفعت ببعض العائلات لركوب البواخر من بيروت إلى مجاهل العالم الجديد البعيد الذي كان يحتاج الوصول إليه لأكثر من ستة شهور من السفر بحراً.  بعض هؤلاء المهاجرين، الأقلية منهم، كان متعلّماً، يقرأ الصحف ويعرف القليل عن أحوال البلاد التي يقصدها. هؤلاء نزحوا أولاً الى المدن القريبة كبيروت وصيدا، ثم عادوا فانطلقوا منها إلى بلاد أبعد كالشام أو الديار المصرية، كما فعل جرجي ابن زيدان النفاخي صاحب مؤلفات تاريخ الإسلام الروائية، والذي كانت له الأسبقية في اختراع أسلوب روائي يقوم على دمج المعلومات التاريخية الدقيقة برواية غرامية مشوّقة. فعل ذلك ترغيباً لجمهور أوسع في التعرّف إلى تاريخ المنطقة، وتسهيلاً لمطالعة كتبه وحفظ معارفه. هكذا نزل الشاب في القاهرة حيث نبغ عالم لغة ومؤرّخاً، وأسّس فيها مجلة سمّاها "الهلال".  كان قدر جرجي زيدان النفاخي، والذي تحوّل منزله في القرية اليوم إلى قن للدجاج، نادراً. ذلك أنّ الكثيرين غيره من مهاجري قريته ضاعت أخبارهم. فمنهم من اعترضت طريقه العواصف فغرق، ومنهم من ضلّ طريقه بشكل أو بآخر، فرست به الأيام في غير وجهته.  وهذا تحديداً ما جرى لابن البلدة امطانيوس النفاخي. لكننا سوف نروي لكم قصّته مرّة أخرى. 

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية