عربي
حولت موجات الأمطار الغزيرة التي هطلت خلال الأيام الماضية على مناطق شمال غرب سورية أراضي زراعية واسعة في ريف إدلب إلى بحيرات مياه راكدة، مما أدى إلى غمر محاصيل استراتيجية كانت في بداية نموها. ومع استمرار سوء الأحوال الجوية، يحاصر الماء مزارع الخضراوات والحبوب، ما يهدّد بخسائر فادحة للمزارعين ويهدّد بتدهور الموسم الزراعي الحالي، في وقت يتوقع فيه مهندسون زراعيون أن تكون الأضرار أكبر من قدرة التربة على التعافي السريع.
يقف المزارع محمد العلوشي الخمسيني على أطراف أرضه في منطقة سراقب، محاولاً عبثاً تصريف المياه المتجمعة حول بيوت بلاستيكية كان قد أقامها قبل شهرين لزراعة الفول والبطاطا، ويقول وهو يشير إلى الحقول المغمورة "هطلت الأمطار بغزارة غير مسبوقة خلال أيام قليلة، شبكات الصرف لم تعد تتحمل والمياه دخلت إلى البيوت البلاستيكية وغمرت الشتلات بالكامل، خسرنا أكثر من نصف المساحة حتى الآن، وإذا استمر الوضع سنخسر كل شيء، الأسمدة التي وضعناها ذهبت أدراج الرياح، والتربة أصبحت طينية لا تصلح للزراعة لأشهر".
أما المزارعة حياة السلات من بلدة بنش، فتصف المشهد بالصعب، خاصة لمزارعي الخضراوات الورقية الذين كانوا يعتمدون على الموسم الشتوي كمصدر دخل رئيسي، وقد قالت لـ"العربي الجديد": "حتى مشاتل البندورة والخيار والباذنجان كلها تضررت، الجذور تعفنت بسبب غرق التربة، كنا ننتظر هذا الموسم لتعويض خسائر السنوات الماضية، لكن الماء أخذ كل شيء، ونخشى الآن من ظهور أمراض فطرية في المحاصيل المتبقية، لأن الرطوبة مرتفعة جداً ولا توجد أشعة شمس كافية لتجفيف الأرض".
وفي الأراضي الممتدة على أطراف مدينة معرة النعمان، يصف المزارع وائل الجدعان الذي يعتمد على زراعة القمح البعلية كمصدر رئيسي للقوت، حجم الضرر الذي لحق بموسمه قائلاً: "هذه المساحات كانت مليئة بزرع القمح الذي يبلغ عمره الآن أكثر من ثلاثة أشهر، كنا ننتظر موسماً جيداً بعد الأمطار الأولى، لكن الغزارة الكبيرة خلال الأيام الأخيرة غمرت الحقول بالكامل، المياه الراكدة تسببت باختناق الجذور واصفرار الأوراق، وفي كثير من المناطق سقطت السنابل المبكرة على الأرض، نحن أمام كارثة حقيقية".
وأوضح لـ"العربي الجديد" أن المساحة المزروعة لديه تجاوزت الثلاثين "دونماً" هذا الموسم، بعد أن كان قد قلّصها في الأعوام السابقة بسبب الجفاف، غير أن الأمطار الغزيرة خلال الأيام العشرة الأخيرة فاقت كل التوقعات، حيث تجمعت المياه في المنخفضات وتحوّلت حقوله إلى مستنقعات لم تعد مضخات المياه الصغيرة قادرة على سحبها. وأشار إلى أن معظم المزارعين في المنطقة فضّلوا عدم استخدام الأسمدة الكيماوية هذا العام بسبب غلاء أسعارها، لكن مع الغمر المستمر أصبحت التربة فقيرة بالعناصر الضرورية، ما يستدعي استخدامها بكثرة لإنقاذ ما تبقى من الزرع. ويخشى وائل أن يؤدي تأخر جفاف الأرض إلى فوات موعد الحصاد في بداية الصيف، ما يعني خسارة الموسم بالكامل.
من جانبه، أوضح المهندس الزراعي خالد المواس أن حجم الضرر يتجاوز مجرد غمر الحقول، وأن هناك تداعيات طويلة المدى على بنية التربة والزراعات المستقبلية، وقال "ما حدث ليس مجرد فيضان عابر، فغمر الأراضي لعدة أيام متواصلة أدى إلى اختناق جذري للعديد من المحاصيل، خاصة الباذنجان والقرعة، كما تسبب في انجراف الطبقة السطحية الخصبة من التربة في المناطق ذات الانحدار، لدينا الآن مشكلة مزدوجة، فاقد مباشر في الإنتاج الحالي، وفاقد غير مباشر يتمثل في تأخر مواعيد الزراعة الصيفية بسبب تشبع التربة بالمياه وزيادة ملوحتها"، وتابع "نحن بحاجة إلى تدخل عاجل بتأمين مضخات طرد المياه، وتوفير بدائل للشتلات التالفة، وإلا فإن المنطقة ستشهد نقصاً حاداً في المحاصيل خلال الأشهر المقبلة". وحذر من أن استمرار الهطول وعدم وجود بنية تحتية كافية للصرف الزراعي سيحول المناطق المنخفضة إلى مستنقعات، ما يهدد بتفاقم الأزمة المعيشية للعائلات التي تعتمد بشكل كلي على الزراعة كمصدر وحيد للدخل.
