عربي
استهدفت غارة إسرائيلية، اليوم السبت، سيارة فريق إعلامي على طريق جزين جنوبي لبنان، ما أسفر عن استشهاد مراسل قناة المنار علي شعيب ومراسلة قناة الميادين فاطمة فتوني، إضافة إلى اثنين آخرين.
وأقرّ جيش الاحتلال الإسرائيلي باستهداف علي شعيب في بيان، زعم فيه أنه عمل في "وحدة الاستخبارات التابعة لقوة الرضوان" في حزب الله. وأضاف أنّ شعيب "عمل على التحريض ضد جنود الجيش الإسرائيلي ومواطني إسرائيل من خلال نشره مواد دعائية لحزب الله". وادعى أن شعيب واصل خلال الحرب الجارية عمله وبلّغ عن مواقع قوات الجيش العاملة في جنوب لبنان.
كما استشهد بالغارة نفسها شقيق فاطمة فتوني، وهو مصوّر. وكانت فتوني قد أعلنت، مطلع الشهر الحالي، استشهاد سبعة من أفراد عائلتها جرّاء غارة إسرائيلية على بلدة تول الجنوبية، ثم أعلنت قبل أيام استشهاد جدّتها متأثرة بإصابتها في الغارة نفسها.
View this post on Instagram
A post shared by التلفزيون العربي Alaraby TV (@alarabytv)
وفي ردود الفعل الرسمية، دان رئيس الجمهورية جوزاف عون استهداف الصحافيين علي شعيب وفاطمة فتوني والمصوّر محمد فتوني على طريق جزين، ووصفه بـ"جريمة سافرة" تنتهك القوانين الدولية والإنسانية. وقال إن العدوان الإسرائيلي "يستبيح مجدداً أبسط قواعد القانون الدولي وقوانين الحرب عبر استهداف صحافيين مدنيين يؤدون واجبهم المهني". وأشار عون إلى أن استهداف الإعلاميين يشكّل خرقاً واضحاً للاتفاقيات الدولية، ولا سيما اتفاقيات جنيف لعام 1949 وبروتوكولها الإضافي الأول (1977)، إضافة إلى قرار مجلس الأمن 1738 لعام 2006، التي تنص جميعها على حماية الصحافيين في مناطق النزاع ما لم يشاركوا مباشرة في الأعمال العدائية. وطالب المجتمع الدولي بالتحرك لوقف الاعتداءات، مقدّماً التعازي لذوي الضحايا وللجسم الإعلامي في لبنان.
وأكد رئيس مجلس الوزراء نواف سلام أنّ "استهداف الإعلاميين يُشكّل انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي الإنساني، وخرقاً واضحاً للقواعد التي تكفل حماية الصحافيين في زمن الحرب". وقال إنّ "لبنان، الذي يقدّر عالياً حرية الإعلام ودوره، يؤكد تمسّكه بحماية الصحافيين، ويدعو إلى احترام قواعد القانون الدولي، وصون حياة المدنيين، ووقف الاعتداءات الإسرائيلية التي تطاولهم". وتقدم "باسم الحكومة، بأحرّ التعازي إلى عائلات الشهداء علي شعيب وفاطمة فتوني ومحمد فتوني وزملائهم".
من جهته، دان وزير الإعلام اللبناني بول مرقص الاستهداف، وقال إنه "جريمة حرب متعمّدة وموصوفة بحق الإعلام ورسالة الصحافة"، في ظل تكرار الاعتداءات على الصحافيين. وكشف أن الوزارة سلّمت، في الأيام الأخيرة، لوائح مفصّلة بالانتهاكات إلى المنسّقة الخاصة للأمم المتحدة في لبنان جانين هينيس-بلاسخارت، وإلى وزارة الخارجية والمغتربين، على أن تُسلَّم لائحة مماثلة إلى سفيرة الاتحاد الأوروبي في لبنان ساندرا دي وال. ودعا مرقص إلى تحرّك دولي فوري لوضع حدّ لهذا "النهج الدموي" ومحاسبة المسؤولين عنه، مشدداً على ضرورة حماية الصحافيين أثناء تأدية مهامهم.
وفي السياق، دانت نقابة محرري الصحافة اللبنانية استهداف الصحافيين علي شعيب وفاطمة ومحمد فتوني، في "جريمة موصوفة بكل المعايير". وأشارت النقابة، في بيان، إلى أن هذه الجريمة تعكس "طبيعة عدائية" تجاه الإعلاميين الذين يوثّقون الانتهاكات وينقلونها إلى الرأي العام، وأكدت أن استهداف الصحافيين يشكّل خرقاً واضحاً للمواثيق والأعراف والبروتوكولات الدولية التي تحظر التعرض للعاملين في الحقل الإعلامي خلال النزاعات. وأضافت أن هذه ليست المرة الأولى التي يُستهدف فيها الصحافيون، داعيةً الأمم المتحدة، والصليب الأحمر الدولي، ومنظمة يونسكو، وهيئات حقوق الإنسان، واتحاد الصحافيين العرب، إلى إدانة هذه الاعتداءات والتحرّك لوقفها ومحاسبة المسؤولين عنها.
كما دانت نقابة العاملين في الإعلام المرئي والمسموع الجريمة التي أدت إلى استشهاد علي شعيب وفاطمة فتوني والمصوّر محمد فتوني، أثناء تأديتهم واجبهم المهني، وشددت على أن استهداف الإعلاميين في الميدان يشكّل "اعتداءً صارخاً على حرية الصحافة، ومحاولة لإسكات نقل الحقيقة، والتعتيم على الانتهاكات". وأكدت النقابة، في بيان، أن "هذه الجريمة لا تستهدف أفراداً بعينهم فحسب، بل تطاول الجسم الإعلامي ككل، وكل من يسعى إلى كشف الوقائع للرأي العام". كما دعت الدولة اللبنانية إلى تحمّل مسؤولياتها في حماية الإعلاميين على أراضيها، وعدم الاكتفاء بالمواقف، مطالبةً في الوقت نفسه المجتمع الدولي والمؤسسات الحقوقية باتخاذ خطوات جدية لمحاسبة المسؤولين عن هذه الجرائم.
وأكد اتحاد الصحافيين والصحافيات في لبنان أن "إسرائيل تستهدف الصحافيين لأنها تخشى انكشاف جرائمها". وجدد الاتحاد مطالبته الدولة اللبنانية باتخاذ إجراءات لملاحقة إسرائيل على استهدافها الصحافيين، داعياً إلى توثيق الجرائم، وإجراء تحقيقات رسمية، وإقرار قانون يجرّم جرائم الحرب، إضافة إلى منح المحكمة الجنائية الدولية الصلاحية تمهيداً لمحاسبة المسؤولين. ودعا إلى وقفة تضامنية تنديداً بالعدوان الإسرائيلي الذي استهدف الصحافيين والمطالبة بتحقيق العدالة لجميع الصحافيين المستهدفين، وذلك في ساحة الشهداء وسط بيروت عند الساعة 5:30 مساءً.
وتأتي هذه الجريمة في سياق تصاعد الاستهداف الإسرائيلي الصحافيين في لبنان. فخلال الشهر الحالي، استشهد المصوّر الصحافي حسين حمود من جرّاء غارة إسرائيلية استهدفت مدينة النبطية جنوبي لبنان، بحسب ما أعلنت قناة المنار التي عمل لصالحها. كذلك قتلت قوات الاحتلال، في 18 مارس/ آذار الحالي، مدير البرامج السياسية في "المنار" محمد شري وزوجته، بعد غارة استهدفت منزلهما في منطقة زقاق البلاط في العاصمة بيروت، ما أدى أيضاً إلى إصابة عدد من أفراد عائلته. والشهر الماضي، اغتالت مسيّرة إسرائيلية الصحافي في "المنار" علي نور الدين باستهداف سيارته.
كذلك أصيب مراسل "آر تي" (روسيا اليوم سابقاً) ستيف سويني والمصوّر اللبناني علي سبيتي، بجروح طفيفة بعد استهدافهما في 19 مارس الحالي بقصف إسرائيلي خلال تسجيلهما تقريراً في جنوب لبنان.
خلال هذا الشهر أيضاً، استهدفت قوات الاحتلال الإسرائيلي مبنى قناة المنار، وكذلك مبنى إذاعة النور في الضاحية الجنوبية للعاصمة اللبنانية بيروت.
وشهدت السنوات الماضية اعتداءات إسرائيلية متكررة على الصحافيين في لبنان، في سياق استهداف مباشر لطواقم التغطية الإعلامية. ووفق تقرير صادر عن المجلس الوطني للبحوث العلمية، استشهد 12 صحافياً وعاملاً في الإعلام وأصيب تسعة آخرون بنيران الاحتلال الإسرائيلي خلال الفترة الممتدة بين أكتوبر/ تشرين الأول 2023 و27 نوفمبر/ تشرين الثاني 2024، تاريخ دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيز التنفيذ.
وتندرج هذه الهجمات ضمن نمط أوسع من استهداف الصحافيين في المنطقة، إذ سجّلت لجنة حماية الصحافيين أعلى حصيلة قتلى في صفوف الصحافيين والعاملين في الإعلام منذ بدء توثيقها عام 1992، مع مقتل 129 صحافياً خلال عام 2025. وبحسب تقريرها السنوي، تتحمّل إسرائيل مسؤولية نحو ثلثي هذا العدد، بعدما قتلت 86 صحافياً خلال العام نفسه، أكثر من 60% منهم فلسطينيون كانوا يغطّون الحرب من داخل قطاع غزة. وأشار التقرير إلى أن الهجمات لم تقتصر على غزة، إذ قتلت 31 صحافياً وعاملاً إعلامياً في اليمن إثر هجوم استهدف مكاتب صحافية في صنعاء في 10 سبتمبر/ أيلول 2025، في ما وصفته اللجنة بأنه من "أشرس الهجمات على منشآت إعلامية في العصر الحديث".
كذلك أظهرت البيانات مقتل ثلاثة صحافيين على الأقل في إيران بضربات إسرائيلية خلال العام نفسه، إضافة إلى استشهاد ستة صحافيين وعاملين إعلاميين في لبنان ضمن سياق المواجهات الممتدة بين عامي 2023 و2025. ووفقاً للتقرير، أصبحت إسرائيل، للعام الثاني على التوالي، "أكثر حكومة مسؤولة عن قتل الصحافيين" منذ بدأت اللجنة توثيق هذه الانتهاكات قبل أكثر من ثلاثة عقود، متجاوزة جميع الحروب المعاصرة من حيث الحصيلة السنوية.
