عربي
يُعدّ حظر استخدام القوة حجر الزاوية في النظام القانوني الدولي، فالمادة الثانية من الفقرة الرابعة من ميثاق الأمم المتحدة تحظر صراحة التهديد باستخدام القوة أو اللجوء إليها ضدّ السلامة الإقليمية أو الاستقلال السياسي للدول الأعضاء. كما تعترف المادة 51 من الميثاق بحقّ الدفاع الشرعي في حال وقوع هجوم مسلّح على دولة عضو، باعتباره حقّاً أصيلاً للدولة المعتدى عليها في مواجهة الدولة المعتدية.
وعلى هذا الأساس، الهجمات والإجراءات العدوانية غير المبرّرة، وغير القابلة للتسويغ، التي باشرتها الولايات المتحدة والکیان الصهيوني في 28 الشهر الماضي (فبراير/ شباط) ضدّ سيادة الجمهورية الإسلامية الإيرانية وسلامتها الإقليمية، واستهدافها المتعمّد لأعلى مسؤول في دولة مستقلة عضو في الأمم المتحدة، وهو قائد الجمهورية الإسلامية الإيرانية آية الله السيد علي خامنئي، لا تُعدّ فقط انتهاكاً صارخاً للمادة الثانية من الفقرة الرابعة من الميثاق، بل تمثّل أيضاً عملاً إرهابياً جباناً واعتداءً مباشراً على المبادئ الأساسية للقانون الدولي، بما في ذلك حظر استخدام القوة، واحترام المساواة في السيادة بين الدول، والحصانة التي يتمتّع بها رؤساء الدول.
وبناءً على ذلك، تتناول هذه المقالة بعض الأبعاد المختلفة لهذا العمل العدواني والإرهابي والجبان الذي ارتكبته الولايات المتحدة والکیان الصهيوني ضدّ الجمهورية الإسلامية الإيرانية، من منظور انتهاك القانون الدولي، والقانون الدولي الإنساني، وحقوق الإنسان الدولية.
جريمة حرب وجريمة ضدّ الإنسانية
وفقًا للمادة الثامنة من نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، ما أقدمت عليه الولايات المتحدة والكيان الصهيوني يُعدّ عملاً إجرامياً وجريمة حرب واضحة، بل وجريمة ضدّ الإنسانية، لا سيّما أنّ هذه الهجمات تُعتبر جزءاً من خطّة أو سياسة مستمرّة. كما أن ارتكاب مثل هذه الجرائم على نطاق واسع يُعدّ انتهاكاً صارخاً لميثاق الأمم المتحدة، إذ نفّذت من دون الحصول على تفويض من مجلس الأمن، وبشكل غير قانوني وغير مشروع تماماً، ضدّ الجمهورية الإسلامية الإيرانية.
- انتهاك مبادئ اتفاقية 1973 والقتل خارج نطاق القضاء
الفعل الإجرامي والإرهابي الذي ارتكبته الولايات المتحدة والكيان الصهيوني، والمتمثّل في اغتيال القائد الأعلى للجمهورية الإسلامية الإيرانية، تجاهل بشكل صارخ المبادئ المُلزِمة في القانونين، الدولي والدولي العرفي، بما في ذلك المبادئ الواردة في اتفاقية عام 1973 الخاصّة بمنع ومعاقبة الجرائم المرتكبة ضدّ الأشخاص المشمولين بالحماية الدولية. كما يُعدّ هذا الفعل انتهاكاً صريحاً لأحكام هذه الاتفاقية، ما يرتب المسؤولية الدولية على الدول المخالفة، فضلاً عن المسؤولية الجنائية على المسؤولين المتورّطين.
كما يُعتبر ارتكاب مثل هذا الفعل الإجرامي قتلاً خارج نطاق القضاء، وهو ما يشكّل انتهاكاً لمبدأ سيادة دولة الجمهورية الإسلامية الإيرانية، ويُعدّ كذلك تدخّلاً غير مشروع في شؤونها الداخلية. وبالإضافة إلى هذا، ووفقاً للمادة السابعة من نظام روما الأساسي، تصنّف هذه الهجمات جرائمَ ضدّ الإنسانية، نظراً إلى توافر العناصر اللازمة للهجمات واسعة النطاق أو المنهجية الموجّهة ضدّ السكّان المدنيين، من حيث النطاق والسياق والطبيعة المميّزة.
اغتيال القائد الأعلى قتلٌ خارج نطاق القضاء، وانتهاكٌ لمبدأ سيادة دولة الجمهورية الإسلامية الإيرانية
وتُعدّ اتفاقات جنيف الأربع لعام 1949 الركيزة الأساسية للقانون الدولي الإنساني، وتهدف إلى الحدّ من المعاناة الإنسانية في زمن النزاعات المسلّحة. إذ توفّر هذه الاتفاقات الحماية للمدنيين والجرحى والمرضى وأسرى الحرب، وتحظر المعاملة اللاإنسانية بحقّهم. ومن المهم الإشارة إلى أن هذه الاتفاقات ذات طابع عالمي، وجميع الدول ملزمة بها.
وتُرسّخ اتفاقات جنيف مبادئ التمييز والتناسب والاحتياط. وبناءً على ذلك، الهجمات الوحشية التي قامت بها الولايات المتحدة والكيان الصهيوني ضدّ المدنيين، لا سيّما الهجوم على مدرسة ميناب ومقتل ما يقارب 175 طفلاً بريئاً ومعلميهم، لا تمثّل فقط انتهاكاً جسيماً للقانون الدولي الإنساني، بما في ذلك المادة 24 من الاتفاقية المتعلّقة بضرورة حماية الأطفال في النزاعات، بل تُعدّ أيضاً جريمة حرب.
كذلك، الهجمات المتكرّرة التي شنّتها الولايات المتحدة والكيان الصهيوني على عدة مستشفيات في طهران ومدن أخرى في الجمهورية الإسلامية الإيرانية تُعدّ انتهاكاً واضحاً لاتفاقات جنيف، إذ تتمتّع المستشفيات بحماية صريحة بموجب هذه الاتفاقات. وتشكّل هذه الهجمات خرقاً للمادة 18 التي تحظر استهداف المستشفيات المدنية. كما أنّ استهداف المراكز العلاجية يُعدّ انتهاكاً جسيماً ويصنّف ضمن جرائم الحرب.
يُصنّف العدوان الأميركي الإسرائيلي على إيران وما يرافقه من أعمال ضمن جرائم الحرب والجرائم ضدّ الإنسانية
علاوة على هذا، يعدّ الهجوم على سفينة التدريب التابعة للقوات البحرية الإيرانية المسمّاة "دنا" في المحيط الهندي، الذي أسفر عن مقتل 84 من طلاب البحرية في إحدى الجامعات البحرية التابعة للجمهورية الإسلامية الإيرانية، انتهاكاً للقانون الدولي الإنساني وجريمة حرب، نظراً إلى أن هؤلاء الأفراد غير مسلّحين. كما أن الهجمات العشوائية التي استهدفت مخازن واحتياطيات النفط، ومراكز تخزين حليب الأطفال، ومستودعات الهلال الأحمر، ومحطّات تحلية المياه، لا تخلّف آثاراً إنسانيةً وبيئيةً جسيمةً فحسب، بل تُعدّ أيضاً انتهاكات صريحة للقانون الدولي الإنساني.
- انتهاك قوانين يونسكو
الهجمات المتعدّدة التي شنّتها الولايات المتحدة والکیان الصهيوني على مبانٍ ومواقع تاريخية وثقافية في طهران وأصفهان ومدن إيرانية أخرى، بما في ذلك قصر كلستان، والمساجد التاريخية في أصفهان، وقصر جهل ستون، وغيرها من قصور تعود إلى الحقبة الصفوية التي سُجّلت جميعها تراثاً عالمياً مشتركاً للبشرية لدى منظمة الأمم المتحدة للتربية والثقافة والعلوم (يونسكو)، تُعدّ من أشكال الإرهاب الثقافي الذي استهدف التدمير المتعمَّد والمنهجي لهُويَّة الإيرانيين وتراثهم الحضاري والثقافي الغني. ويُشار إلى أنّ بعض هذه المعالم يعود تاريخه إلى قرون طويلة، بل إنّ بعضها أقدم من عمر الكيان الصهيوني نفسه. كما تمثّل هذه الهجمات انتهاكاً صارخاً لقوانين "يونسكو"، لا سيّما اتفاقية التراث العالمي لعام 1972، وكذلك انتهاكاً لاتفاقية لاهاي لعام 1954، التي تُعدّ أوّلَ معاهدة دولية شاملة لحماية التراث الثقافي المنقول وغير المنقول في أوقات النزاعات المسلّحة والحروب.
الهجمات على التراث الثقافي لإيران تستهدف محو الذاكرة التاريخية والهُويّة والاستمرارية الحضارية لشعب بأكمله
وعلاوة على ذلك، ونظراً إلى أن تدمير التراث الثقافي يؤدّي إلى إضعاف الهُويّة الجماعية والاستمرارية التاريخية، فإنّه وبالاستناد إلى السوابق القضائية الدولية، بما في ذلك القضايا المعروضة أمام المحكمة الجنائية الدولية، يمكن اعتبار هذه الهجمات على التراث الثقافي للجمهورية الإسلامية الإيرانية من الجرائم الدولية الخطيرة، إذ لا تؤدّي مثل هذه الأفعال فقط إلى تدمير مادي، بل تستهدف أيضاً محو الذاكرة التاريخية والهُويّة والاستمرارية الحضارية لشعب بأكمله.
- انتهاك حقوق الإنسان الدولية
لا تقتصر حقوق الإنسان الدولية على أوقات السلم، بل تنطبق كذلك في أثناء الحروب والنزاعات المسلّحة، ويُعدّ احترامها واجباً على جميع الدول. وبناءً على ذلك، الهجمات التي شنّتها الولايات المتحدة والكیان الصهيوني على الجمهورية الإسلامية الإيرانية تُعدّ من منظور القانون الدولي لحقوق الإنسان انتهاكاً واضحاً وصريحاً لحقوق الإنسان للشعب الإيراني. ومن أبرز هذه الانتهاكات، انتهاك الحقّ في الحياة المنصوص عليه في المادة السادسة من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، إذ يحظر هذا العهد صراحةً الحرمان التعسّفي من الحقّ في الحياة. كما أن إلحاق خسائر بشرية وأضرار جسدية ونفسية واسعة بالمدنيين، لا سيّما النساء والأطفال وكبار السن، من الولايات المتحدة والكيان الصهيوني ضدّ إیران حکومةً وشعباً، يُعدّ انتهاكاً لحقوق أخرى منصوص عليها في العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، بما في ذلك الحقّ في التنمية، وحقوق الطفل، والحقّ في السكن، والحقّ في الصحّة الجسدية والنفسية، والحقّ في التعليم، وغيرها من الحقوق الأساسية للإنسان.
خاتمة
خلاصة القول، الهجمات والإجراءات العدوانية الأحادية التي قامت بها الولايات المتحدة والكيان الصهيوني في 28 فبراير الماضي ضدّ الجمهورية الإسلامية الإيرانية، وما نتج منها من اغتيال آية الله خامنئي، تُعدّ انتهاكاً شاملاً لقواعد القانون الدولي كافّة، وميثاق الأمم المتحدة، لا سيّما المادة الثانية من الفقرة الرابعة، وكذلك مبادئ القانون الدولي الإنساني، والقانون الدولي لحقوق الإنسان، والقانون الدولي العرفي، واتفاقات جنيف الأربع، فضلاً عن قوانين واتفاقات "يونسكو". كما تُصنّف هذه الأفعال ضمن جرائم الحرب والجرائم ضدّ الإنسانية، إلى جانب ما تمارسه من إرهاب اقتصادي عبر الإجراءات القسرية الأحادية وفرض العقوبات على الشعب الإيراني، فضلاً عن الإرهاب الثقافي والعلمي.
ولا شكّ أنّ ارتكاب مثل هذه الأعمال، بما في ذلك العمليات العسكرية، واغتيال القادة والمسؤولين السياسيين والعسكريين، واستهداف المدنيين، والمستشفيات والمراكز العلاجية، والمدارس، والنساء والأطفال، وتدمير المباني والآثار التاريخية والثقافية، والمراكز التجارية والخدمية، فضلاً عن التهديد الصريح بالإبادة والقتل الجماعي للشعب الإيراني، يُرتب آثاراً وتبعات جنائية دولية على الدول المعتدية والمسؤولين عنها، ويجعلهم عرضةً للمساءلة أمام المحاكم الجنائية الدولية، بهدف إنهاء ثقافة الإفلات من العقاب ومنع تطبيع انتهاك القواعد والقوانين الدولية.
وفي الختام، من شأن استمرار هذه الهجمات غير الإنسانية والأحادية، لا سيّما استهداف المدنيين وارتكاب المجازر ضدّهم في الجمهورية الإسلامية الإيرانية، أن يؤدّي إلى إضعاف مسار التعدّدية في النظام الدولي، وتقويض مبادئ القانون الدولي، وإضعاف دور المنظّمات الدولية. كما أنّ هذه الهجمات تمثّل دليلاً إضافياً على تزايد عجز مجلس الأمن عن منع العدوان وحظر استخدام القوة، وهو ما يعزّز الحاجة الملّحة إلى إعادة النظر الجدّية في هيكلية هذا المجلس، والعمل على تشكيل نظام دولي جديد أكثر عدلاً وتوازناً على المستويين الإقليمي والعالمي.
