التجربة الإسبانية... متى نعترف بأخطائنا؟
عربي
منذ ساعة
مشاركة
اعتراف ملك إسبانيا فيليبي السادس بوجود انتهاكات وفظائع أخلاقية خلال فترة الاستعمار الإسباني للأميركيتَين، ولاسيّما في المكسيك، على هامش معرض المرأة المكسيكية الأصلية، يشكّل خطوةً رمزيةً نحو إعادة قراءة الماضي بروح نقدية، خارج ثنائية التمجيد والإنكار. وإن كانت هذه الخطوة تحمل دلالاتٍ سياسيةً وتاريخيةً مهمّة، فإنّها في الوقت نفسه تعبّر عن محاولة لبناء جسر للتفاهم مع الماضي، عبر الاعتراف به وإعادة تأويله في ضوء القيم المعاصرة، من دون الوقوع في فخّ إسقاط الأحكام الحاضرة عليه بشكل مطلق. ويؤكّد هذا الاعتراف ضرورة فهم الأحداث في سياقها التاريخي، مع استخلاص الدروس والعبر التي يمكن أن تسهم في توجيه الحاضر، خاصّةً في ما يتعلّق بقيم العدالة، والحريات، والإنصاف، واحترام الشعوب. وفي هذا الإطار، تبرز أهمية المصالحة مع التاريخ باعتبارها مدخلاً لفهمٍ أعمقَ للذات، وللحاضر، ولبناء علاقات أكثر توازناً مع الآخر، سواء على المستوى الداخلي أو في سياق العلاقات بين الدول، بما يُعزّز منطق الحوار بدل المواجهة، والاعتراف بدل الإنكار. لكن إذا كان الآخر يملك شجاعة النظر إلى تاريخه ومساءلة نفسه، فمتى نفعل نحن ذلك؟ متى نعترف، نحن العرب، بأخطائنا دون مواربة؟ متى نقرّ بأنّنا فشلنا في تحرير فلسطين، وبأنّ هذا الفشل لم يكن نتيجة عوامل خارجية فقط، وإنّما أيضاً نتيجة انقساماتنا وصراعاتنا الداخلية العربية – العربية؟ متى نعترف بأنّ أحلامنا بالوحدة والحرية والاشتراكية لم تُنتج إلا بلاداً منقسمة، ومجتمعات فقيرة ومنغلقة؟ المشكلة ليست في أن نعترف، بل في أن نتحمّل ما يترتّب على هذا الاعتراف متى نعترف بأنّنا، في هذه اللحظة المصيرية التي يمرّ بها العالم، نعيش أوج تمزّقنا الحضاري، وبأنّنا بلا رؤية للمستقبل، وبأنّنا أخطأنا في الفهم العميق للسياق التاريخي الذي عشنا فيه؟ وبأنّ هذا الخطأ في الفهم والاعتراف به يكشفان نوعاً من العجز عن التحدّث عن المستقبل، أو على الأقلّ عن لامبالاة وعدم رغبة، لسبب أو لآخر؟ متى نعترف بأنّ أرضنا التي عرفت كلّ الأنبياء، لم يخرج منها في العصر الحديث (للمفارقة) إلا الطغاة؟ أفلا يقتضي ذلك تأمّلاً عميقاً وشاملاً في البنية التاريخية والسياسية والاجتماعية التي أدّت إلى هذه الظاهرة، ظاهرة تفشّي الطغيان والدكتاتورية، ثقافةً وسلطةً وممارسةً؟ متى نواجه حقيقة أنّ أوطاننا تحوّلت إلى سجونٍ وقيودٍ ومنافٍ وهجرات؟ ولماذا لا نسأل دائماً عن الأسباب، بل نحاول أن نبحث عن مبرّرات ومؤامرات؟ متى نعترف بأنّنا لم ننجح في تجربة الدولة القائمة على أساس المواطنة، وبأنّ ثوراتنا التي قامت من أجل الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان، لم ينتج منها إلا مزيدٌ من السلاسل والطغيان وشغف السلطة وشهوة الحكم؟ متى نعترف بأنّ الدولة في عالمنا العربي لم تُبنَ على عقد اجتماعي متماسك، بل على توازنات هشّة، وعلى أسس طائفية ودينية وقبلية وعرقية؟ وبأنّ الإنسان الذي يعيش فيها من غير فرص عمل، ويتعذّب، ويتشرّد، ويُسجن، ويُنفى، ليس إلا أداةً أو رقماً من أجل شيء واحد لا غير: السلطة؟ وماذا عن الحروب العربية – العربية؟ ماذا عن دوّامات العنف الطائفية، ألم تصبح خبزنا اليومي؟ لماذا لا نعترف بهذا كلّه؟ ومتى نقرّ بأنّنا استهلكنا التاريخ بدل أن نتعلّم منه، وبأنّنا استدعينا أمجاد الماضي كلّما عجزنا عن صناعة الحاضر؟ ليست هذه الأسئلة ترفاً فكرياً، هي ضرورة تاريخية. فالاعتراف، في جوهره، لحظة وعي، ومفترق طرق. ومن دونه سنبقى ندور في الحلقة نفسها، نعيد إنتاج الإخفاقات ذاتها، ونؤجّل المواجهة مرّة بعد أخرى. أمّا حين يبدأ الاعتراف، فقد يبدأ معه شيء آخر: إمكانية الخروج من هذا الجمود، وفتح أفق مختلف، يُبنى على الحقيقة لا على الوهم، وعلى الفعل لا على التكرار. ولكن، هل يكفي مجرّد الشكلي واللفظي لهذا الاعتراف؟ هل يكفي الاعتراف بوصفه كلاماً؟ لا بدّ من تحويل اللفظ إلى فعل. فالمشكلة ليست في أن نعترف، بل في أن نتحمّل ما يترتّب على هذا الاعتراف. أن نعيد النظر في أنفسنا، في أنظمتنا، في أفكارنا، في تاريخنا، في موروثنا، وفي علاقتنا بالسلطة وبالإنسان.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية