عربي
صدق الرئيس الأميركي دونالد ترامب أو كذب، بخصوص بدء المفاوضات مع طهران، فإنّ العالم في ورطة بسبب العدوان الأميركي – الإسرائيلي على إيران. ورغم تعليقات أولية للقيادات الإيرانية نفت وقوع المحادثات، فإنّ المفاوضات مقبلة لا محالة، وإلا فإنّ الكارثة ستتوسّع، وسيقف المجتمع الدولي على شفير الهاوية، إذا ما بدأ ضرب البنى التحتية في المدن الإيرانية، وإذا ما وسّعت طهران عدوانها على دول الخليج لتشمل محطّات تحلية المياه وحقول النفط والغاز. والعودة إلى طاولة المفاوضات ووقف الحرب، خطوتان مطلوبتان حتى لا تستمرّ هذه الجحيم التي تهدّد المنطقة برمّتها. وتواصل تل أبيب وواشنطن الحرب لإخضاع طهران وإجبارها على قبول تسوية مذلّة، فيما يشكّل صمود إيران، واستمرارها في إطلاق الصواريخ والمسيّرات، وتهديد دول الجوار، الرمق الأخير حتى لا تُهزم، ولكي تمتلك قوّةً تحسّن بها شروط التفاوض، وتفتح ثغرةً في أبواب أوصدت في وجهها منذ عقود.
هل تكون الأرواح التي أُزهقت (والدمار الواسع في إيران) ثمناً لحرية النظام واستمراره، أم بداية النهاية لنظام تمرّد سنوات طويلة، وقد آن الأوان لأن ينضمّ إلى القطيع الذي يحكمه اللوبي الصهيوني، سواء في سدّة الحكم في تل أبيب أو في واشنطن؟ وفي المقابل، هل صمود إيران لأسابيع رسالةٌ قويةٌ إلى العالم بأنها ليست لقمةً سائغة، وبأنّها قادرة على إيقاع الخسائر بمن يُعاديها، أو يُناصر خصومها بأيّ شكل؟ وهل تُمكِّنها هذه المعطيات من الجلوس ندّاً في المفاوضات لتضمن ألا تكون حظيرةً خلفية للبيت الأبيض؟ مهما كانت النتيجة، ومهما كانت السيناريوهات المستقبلية، فإنّ الحرب لن تستمرّ طويلاً، فكلفتها لا يحتملها الشعب الأميركي، وإسرائيل أوهن من بيت العنكبوت. وحين ترفع الرقابة العسكرية الحظر عن تداعيات الحرب في تل أبيب، سيكون نتنياهو أول الضحايا. فأزمة الطاقة المرشّحة للتصاعد، ودول العالم التي زُجّت في حرب لا ناقة لها فيها ولا جمل وتدفع ثمن الحرب دون اختيار، ستضعان حدّاً للجنون و"الغضب الأعمى" الذي أشعله تحالف ترامب – نتنياهو، كما وصفته مجلة الإيكونومست.
هناك ثوابت في التعامل مع هذه الحرب المسعورة يجب ألا تغيب، في مقدّمتها: لا يجوز القبول بالبلطجة الأميركية – الإسرائيلية في تشكيل العالم وبنائه وفق أجندتها ومصالحها، وهذا الفهم يعطي إيران المشروعية للدفاع عن بلدها المشهود له بحضارته، مهما كان الموقف من نظام الملالي، ومهما كان الاختلاف معه. والثابت الآخر: لن نقبل من إيران، مهما كانت مبرّراتها، أن تستهدف دول الخليج العربي والأردن وأيّ دولة أخرى؛ فاستخدام ورقة الضغط على الجوار لتغيير موازين القوى منطق مرفوض وغير مقبول، وعلى ساسة طهران، بعد توقّف الحرب، أن يعيدوا النظر في توجّهاتهم وممارساتهم ومقارباتهم في العلاقة مع الجوار العربي، وأن يرسّخوا قواعد جديدة من السلام والتصالح وحسن الجوار، بدلاً من مفاهيم السيطرة والتدخّل وتصدير الثورة التي اعتمدتها منذ عهد الإمام الخميني. والثابت الثالث: إيران ليست إسرائيل، ولا يجوز وضعها في سلّة واحدة مع كيان الاحتلال؛ فالمنطقان السياسي والشعبي لا يقبلان مساواتها بدولة فصل عنصري تمارس حرب إبادة بحقّ الشعب الفلسطيني، وتدوس على القانون الدولي، وتُفلت من العقاب، وإن كان العالم العربي لا ينسى الخراب الذي أحدثته إيران وأذرعها في العديد من الدول العربية، والفوضى التي خلقتها، والدماء التي سُفكت على أيدي مليشياتها في العراق وسورية ولبنان واليمن. ومن الثوابت أيضاً أنّ دول الخليج العربي لا تريد أن تكون وقوداً لحرب تحرق منجزاتها، وتضحّي بمقدّراتها قرباناً لمقامرة ومغامرة سياسية يقودها ترامب ونتنياهو، وقد اكتوى الجميع بشظاياها، والواقع أثبت أنّ إيران ليست وحدها تحت النار.
لن تستمرّ الحرب طويلاً، فكلفتها لا يحتملها الشعب الأميركي، وإسرائيل أوهن من بيت العنكبوت
يعمل كلّ طرف على تحسين شروط التفاوض من خلال الحرب، والتوقّعات ترجّح التهدئة قليلاً، وإعطاء فرصة لخفض التصعيد، والتراجع عن تجاوز الخطوط الحمراء في قصف البنى التحتية الحيوية. وقد أكّد وسطاء أنّ القيادة الإيرانية مهتمّة بالتفاوض، وأنّ العلّة تكمن في الشروط. إيران لم تكن يوماً ضدّ التفاوض، وقد وقع العدوان عليها للمرّة الثانية في أقلّ من عام، وهي منغمسة في جولات المفاوضات مع واشنطن. وما تقوله وسائل الإعلام إنّها مستعدّة للتفاوض شريطة توافر ضمانات بوقف فوري للحرب وعدم عودتها مرّة أخرى، والجديد هو مطالبة طهران بتعويضات عن الدمار الذي أحدثته الحرب. وفي واشنطن، يكشف موقع إكسيوس رفع سقف الشروط الأميركية للتفاوض مع إيران، وأبرزها وقف البرنامج الصاروخي مدّة خمس سنوات، ووقف تخصيب اليورانيوم بالكامل، وتفكيك المنشآت النووية، وتطبيق بروتوكولات مراقبة على أجهزة الطرد المركزي، وإبرام معاهدة للحدّ من التسلّح في المنطقة تتضمن سقفاً لمدى الصواريخ لا يزيد على ألف كيلومتر، إضافةً إلى وقف تمويل حزب الله وحركة حماس وجماعة الحوثي. وخلاصة ما يحدث هو تحويل التفوّق العسكري إلى حسم سياسي يُفرض في المفاوضات.
والسؤال: مع من ستتفاوض واشنطن؟ المرشد مجتبى خامنئي غائب من المشهد، ولا يُعرف على وجه اليقين وضعه أو مكانه، وتُشيع وسائل الإعلام أنّ رئيس البرلمان الإيراني محمّد باقر قاليباف غادر طهران إلى باكستان لقيادة المفاوضات. ويردّ قاليباف على تعليقات ترامب عبر منصّات التواصل الاجتماعي بأن المفاوضات "هروب من المستنقع الذي وقعت فيه أميركا وإسرائيل"، فيما تدّعي الإدارة الأميركية أنّ ستيف ويتكوف أجرى اتصالاً مباشراً مع وزير الخارجية الإيراني عبّاس عراقجي، ويختصر ترامب المشهد بشكل كوميدي حين يقول: "ربّما نجد شخصاً في إيران نتعامل معه يشبه الرئيسة الانتقالية في فنزويلا". التصريحات التي تسبق التفاوض، وتُطلَق والطائرات والصواريخ تعلو أصواتها، ليست أكثر من قنابل دخانية تعمي الأنظار، لكنّها لا تقود إلى الحقيقة. وكلام ترامب منذ بدء الحرب متأرجح ومتناقض؛ فقد كان يريد إسقاط النظام في طهران ثم تراجع، وكان يريد نقل اليورانيوم إلى خارج إيران ونسي الأمر، وكان يراهن على انشقاقات داخل السلطة ولم يحدث ذلك. والآن يفكّر في السيطرة على جزيرة خارج (المركز الرئيس لتصدير النفط الإيراني)، وبالتزامن يُذيع أنباءً عن نيّته نشر قوات برّية في الأراضي الإيرانية لأسباب مختلفة، من دون أن يحدّد كيف ستدخل أو ما هي مهامها.
لا يقبل المنطق مساواة إيران بدولة الاحتلال التي تمارس الإبادة والفصل العنصري
في ظلّ سياسة العصا والجزرة، قدّمت واشنطن (بحربها) السلطة على طبق من ذهب للحرس الثوري، والواقع يشير، بعد هذه الاغتيالات كلّها للقادة الإيرانيين، إلى أنّ القرار السياسي والنفوذ يتّجهان نحو التشدّد، وأنّ السيطرة باتت شبه مطلقة للحرس الثوري، الذي يدير المشهد الآن، سواء في الواجهة أو من خلفها.
وعلى هامش الجدل حول الذهاب إلى المفاوضات بين أميركا وإيران، وهو ما يرفضه نتنياهو ويخشاه، ترى مجموعة إدارة الأزمات الدولية أنّ إيران لن تذهب إلى اجتماعات رفيعة المستوى إذا ظلّت واشنطن متمسّكةً بشروطها القصوى. المكاسرة العسكرية مستمرّة، وسياسة عضّ الأصابع لم تتوقّف، وفي الأثناء تفاصيل لا تُكشف للعيان عن أزمات لوجستية وعسكرية وتكاليف مالية واقتصادية تجبر الجميع على المراجعة، وإعلان "انتصار وهمي" لوقف الحرب.
ما بعد اليوم التالي للحرب هو مرحلة طويلة من المراجعات السياسية، ومحاولات تضميد الجراح، والتعافي الاقتصادي، وتظلّ اللعنة تلاحق العرب الذين يدفعون ثمن جنون غيرهم وجشعه.
