عربي
لا تقتصر أزمات عشرات آلاف النازحين اللبنانيين بسبب الحرب الإسرائيلية على الاكتظاظ وضيق المساحة في مراكز الإيواء، بل تمتد إلى غياب أبسط مقومات النظافة الشخصية بالتزامن مع نقص سبل الرعاية الصحية، لتتزايد المخاوف من تحوّل تلك المراكز إلى بؤر لانتشار الأمراض، خصوصاً بين الأطفال وكبار السن، وسط غياب الدعم الكافي من الجهات المحلية والمنظمات الدولية.
تحولت مباني المعهد الفني الفندقي الأربعة في منطقة بئر حسن في بيروت إلى مركز إيواء، ويفترش النازحون الغرف والممرات للنوم، كما تنتشر الفرش في أروقة المدرسة، وبالقرب من الحمّامات، ويشكو النازحون من غياب مختلف مواد التنظيف.
خلال جولة لـ"العربي الجديد" في المكان الذي يؤوي نحو 2600 نازح، يظهر انتشار النفايات في الزوايا رغم توزيع مستوعبات النفايات، وتعليق إرشادات حول النظافة، وتنقطع المياه بشكل متكرر، ويضطر النازحون إلى تعبئة مياه الشرب والطبخ من أحد الخزانات الموجودة خلف المبنى، كما تغيب المنظمات الدولية التي كانت تمد مراكز الإيواء بمواد النظافة والتعقيم، ويقوم النازحون بشراء تلك المواد على نفقتهم الخاصة، بينما هم لا يملكون أموالاً كافية، ومدخراتهم تكفيهم لأيام معدودة.
نزحت فاطمة ناصر من منطقة برج البراجنة في الضاحية الجنوبية لبيروت، وتقول: "المعهد غير نظيف، والحمّامات متسخة، ولا يزوّدنا أحد بمواد التنظيف، ويقال لنا إن من لا يعجبه الوضع عليه أن يذهب إلى مكان آخر. نحن عائلة مكونة من عشرة أفراد، ومعنا طفلان، ومن الصعب الاعتناء بهما، خصوصاً مع الانقطاع المتكرر للمياه، ونخاف من تفشي الأمراض المعدية، خصوصاً الإنفلونزا والإسهال". وتضيف ناصر: "أضطر كل يومين إلى الذهاب مع بناتي إلى المنزل في برج البراجنة للاستحمام، رغم المخاطر الأمنية في الضاحية الجنوبية لبيروت. لم نعتد العيش في مكان متسخ، أو غياب المعقمات والمطهرات".
بدورها، تقول النازحة الستينية سعاد زحيم إنها تختبر للمرة الأولى النزوح إلى مكان يفتقر إلى مقومات العيش الأساسية، مشيرة إلى أن هناك أزمة كبيرة في استخدام المراحيض، وإنها لم تتمكن من الاستحمام منذ خمسة أيام بسبب عدم توفر المياه الساخنة وعدم وجود دور، وإن غسل الملابس أيضاً مشكلة متفاقمة، ورغم أنه جرى شراء غسالات، لم تُركّب بعد، ولا أحد يعرف إن كانت ستتاح للجميع حين تصبح جاهزة للاستخدام.
تفترش مريم رضا، النازحة من بلدة حناويه (قضاء صور)، الأرض قرب الحمّامات، وتقول لـ"العربي الجديد": "لا يمكن لأي إنسان أن يواصل العيش في هذه الظروف، حتى لو كان نازحاً. ينبغي تأمين الحد الأدنى من مواد النظافة، وحالياً نضطر إلى شرائها على نفقتنا الخاصة، ومع انقطاع المياه ننتظر دورنا طويلاً لدخول حمّامات متسخة".
تحمل النازحة زينب سلة مليئة بالثياب المتسخة، متوجهة إلى منزلها في الضاحية الجنوبية لغسلها، مصطحبة أطفالها معها للاستحمام. وتقول: "ليست هناك أدنى خصوصية، والنظافة الشخصية غائبة، وبعض الأفراد لا يلتزمون بإرشادات النظافة، كما أن المياه تنقطع باستمرار، وننتظر دورنا لاستخدام الحمّامات، وفي الأيام التي لا أستطيع فيها الذهاب إلى الضاحية، أغسل الثياب بالطريقة البدائية، كما أضطر إلى شراء المعقمات".
بدوره، يعبر النازح المسن محمد زهري، من بلدة الكفور (قضاء النبطية)، عن غضبه من عدم التزام البعض برمي النفايات في الأماكن المخصصة لها، ويقول: "صحيح أن مواد التنظيف غير متوفرة، لكن يجب على الجميع التعاون للحفاظ على النظافة، خصوصاً تنظيف الحمّامات، وهذا الحال متكرر في جميع مراكز الإيواء".
من جانبها، تقول فاطمة سلمان، النازحة من بلدة دير عامص (قضاء بنت جبيل): "الوضع محزن. وضعوا خزان مياه مفلترة كي نستخدمه، ونحاول تدبّر أمورنا عبر شراء مواد التنظيف. لكن لا توجد مياه ساخنة، وأذهب أسبوعياً إلى منزل قريبتي في برج البراجنة للاستحمام. لم نحصل خلال هذه الحرب على مساعدات تُذكر، فيما يحاول القائمون على مركز الإيواء من كشافة الرسالة تلبية احتياجاتنا، لكن الأعداد الكبيرة للنازحين تفوق قدراتهم".
في المدرسة الكويتية في منطقة النويري ببيروت، يعيش النازحون ظروفاً صعبة، خصوصاً النساء. وتعبّر إحدى النازحات من بلدة النبطية الفوقا عن "صعوبة تأمين مستلزمات النظافة، خصوصاً مع الانقطاع المتكرر للمياه". وتشير إلى أنّ "المركز مجهّز بسخّانات للمياه، لكن غياب المياه يجعل استخدامها مستحيلاً، ما يشكّل كارثة للعائلات النازحة، لا سيما تلك التي لديها أطفال".
في ممرات المدرسة، تُنشر الثياب المغسولة على الأرض. وتقول النازحة هيام شري: "يوجد في المركز غسالتان فقط، ولا يمكننا الحصول على دور بسهولة. لديّ شاب جريح يحتاج إلى عناية خاصة ومكان نظيف خشية التهاب جراحه أو تعرضه لأي عدوى نتيجة استخدام الحمّامات المشتركة أو غسل ملابسه في غسالة يستخدمها جميع النازحين".
من جهته، يقول المسؤول عن المركز، والذي فضّل عدم ذكر اسمه، إنهم "يواجهون صعوبات كبيرة في تأمين مستلزمات النظافة والحصص الغذائية. هذه الحرب تشهد غياباً شبه تام لدور الجمعيات الدولية التي كانت تزوّدنا في السابق بالمواد الأساسية، خصوصاً مواد التنظيف والمعقمات ومستلزمات الأطفال والنساء. منظمة أطباء بلا حدود ترسل فريقاً طبياً مرة كل أسبوع، ولا توجد أي جهة أخرى تتابع أوضاع النازحين. أحياناً لا نتمكن من تأمين وجبات للعائلات النازحة، إذ نحتاج يومياً إلى نحو 600 دولار أميركي لتأمين وجبتي الفطور والعشاء".
من جهته، يشير رئيس قسم الأمراض الجرثومية في الجامعة الأميركية في بيروت، غسان دبيبو، إلى الآثار الصحية الخطيرة لغياب مواد النظافة، ولا سيما في مراكز إيواء النازحين المكتظة، موضحاً لـ"العربي الجديد"، أن "الجراثيم والأوبئة تنتشر بسرعة، فعند إصابة أي فرد بالإسهال، ومن دون تعقيم مناسب، تنتقل العدوى بسهولة، خصوصاً إلى الأطفال وكبار السن".
ويضيف دبيبو: "الخطر الأكبر يكمن في انتشار الأمراض التي تنتقل عبر الجهاز التنفسي، وهي كثيرة، مثل الحصبة والجدري والإنفلونزا بمختلف أنواعها، إضافة إلى السعال الديكي. الوقاية من هذه الأمراض تتطلب الالتزام بإجراءات النظافة، وغسل اليدين جيداً بالصابون، وارتداء الكمامات، وكلها أمور يصعب تأمينها في مراكز الإيواء". كما يحذر الطبيب اللبناني من تأخر الأطفال، ولا سيما دون سن الثالثة، في تلقي جرعات اللقاحات الأساسية التي تحميهم من الأمراض، مشدداً على ضرورة عدم التهاون في هذا الأمر، والتوجه إلى مراكز الرعاية الصحية التي توفر لقاحات الحصبة والجدري وغيرها.
ويشير إلى أن "النساء الحوامل من بين الفئات الأكثر عرضة للإصابة بالجراثيم والميكروبات، ما يؤثر على صحتهن وصحة الأجنة، ويستدعي توفير مستوى عالٍ من الوقاية، بما في ذلك حمّامات مخصصة، وهو أمر يصعب تحقيقه في ظروف النزوح. لا نلاحظ حضور الدولة حالياً، ويُترك تأمين النظافة ومستلزماتها للمنظمات الأهلية والأحزاب، وهذا واقع يتكرر مع كل حرب أو أزمة يشهدها لبنان".
وفي ردّ على أسئلة "العربي الجديد" حول واقع النظافة والتعقيم في مراكز الإيواء التي تديرها، قالت مسؤولة في وزارة الشؤون الاجتماعية، إن "إجمالي عدد الحصص الخاصة بالنظافة التي يفترض تأمينها شهرياً يبلغ 33,834 حصة، فيما بلغ العدد الإجمالي الذي وُزّع منذ بداية شهر مارس/آذار يبلغ 33,105 حصص. رغم النقص القائم، تبذل الوزارة أقصى الجهود لتأمين مستلزمات نظافة إضافية في ظلّ تزايد أعداد النازحين. وفي ما يتعلّق بتفشّي بعض الأمراض، نؤكد أن الأعداد المسجلة قليلة، ويتم التعامل معها من قبل وزارة الصحة".

أخبار ذات صلة.
الحرب تمتد إلى المفاعلات والمصانع
الشرق الأوسط
منذ 21 دقيقة