عربي
كان أحمد قعبور في التاسعة عشرة من عمره حين فجر غضبه في أغنية "أناديكم" التي لحنها في ليلة ظلماء من عام 1975 تحت إيقاع الحرب والرصاص، وحين كان يقرأ ديوان الشاعر توفيق زيّاد على ضوء الشمعة، مع اندلاع الحرب الأهلية اللبنانية. لا مبالغة في القول إن هذه الأغنية رافقته طوال حياته، وربما صارت منذ ذلك العام قدره الفني، وجزءاً من وجدانه ووجدان أجيال كاملة عاشت الحروب والخذلان وتوارثت ذاكرة حية عن قبح الاحتلال وما تركه من الأهوال حتى اليوم.
وعلى الرغم من أن "أناديكم" تجاوزت أحمد قعبور نفسه، بل وتجاوزت أيضاً الشاعر الفلسطيني توفيق زيّاد شهرةً وانتشاراً، فإنها ظلّت بالنسبة إلى قعبور الأغنية التي قال مراراً إنه قدّمها ليكفكف دموع والده، بعدما رآها تنساب من عينيه إثر نكسة عام 1967، غير أن هذه الأغنية خرجت عن اللحظة التاريخية التي أنتجتها، واستقلّت عنها، وصارت كياناً قائماً بذاته، يروي مآسينا المستمرة.
هذه الأغنية أدّاها قعبور للمرة الأولى في مستشفى ميداني للجرحى، وأعاد في ذلك التاريخ غناءها تسع مرات بناءً على طلب الأطباء والمصابين، وظل يكررها مراراً ويحدّث قصصاً عنها، وكان من بين ما رواه أنه، خلال الاجتياح الإسرائيلي لبيروت عام 1982، رأى والده يقف من بعيد يراقب دبابات الميركافا وهي تتقدّم نحو حرج بيروت. عندها سأله والده، بمرارة: "شو يا بابا، ضلّيت تنادي لوصلوا؟"، فما كان منه إلا صمت قطعه بإجابة: "كنت بقصد نادي الناس!".
ما يضيف إلى هالة الأغنية الأيقونية بُعداً أكثر مأساوية، هو ما لم يروه أحمد قعبور، ففي أيامه الأخيرة، حين كان السرطان ينهش جسده وما تبقّى من عمره، صعد إلى المسرح في بيروت ليغنّي "أناديكم"، لكن جسده خانه، فسقط على الخشبة، فيما واصل الكورال ترديد اللازمة: "أناديكم… أشدّ على أياديكم… وأبوس الأرض تحت نعالكم وأقول أفديكم"، ثم تمالك نفسه وراح يردد: "أنا ما هِنت في وطني، وما صغّرت أكتافي… وقفت بوجه ظلامي، يتيماً عارياً حافي". استنهضته الأغنية ليكمل، وكان يدرك أن صوته في هذه الأغنية يختزل آلاف الأصوات، وكان يعلم أيضاً أن الأغنية تعيش وإن مات المغني وهذا ما قاله في حوار له مع سناء موسى: "نموت نحن وتبقى الأغاني".
ولد أحمد قعبور في بيروت عام 1955، في فترة كانت المدينة نابضة بالحياة، وتعيش ازدهاراً فنياً وثقافياً مع سعيد عقل والأخوين الرحباني وبداية شراكتهما مع فيروز، قبل أن يبدأ زمن التحولات الذي كبر قعبور على أحداثه اليومية. في شبابه المبكر، بدأت الحرب الأهلية اللبنانية، وبطبيعة الحال كانت البيئات الشعبية المتاخمة للمخيمات الفلسطينية أول من تأثر، إذ شهدت أعنف فصول الحرب الدامية، ولم يكن مجتمعها يوماً بمنأى عن السياسة التي تسربت إلى أدق مفاصل حياة أهلها اليومية، ولعل هذه العوامل جعلت قعبور يقدم في عمر مبكر أغاني باتت من علامات الأغنية المناهضة للاحتلال في العالم العربي. ولا تغيب "يا رايح صوب بلادي" التي غناها عام 1982 لجنوب لبنان الذي احتلته إسرائيل 18 عاماً قبل تحريره عام 2000، ولا تزال أسماء هذه القرى تتردد حتى اللحظة في نشرات الأخبار، لا سيما بعد أن هجر الاحتلال الإسرائيلي أخيراً أهله وهدد بإعادة احتلاله.
كان أحمد قعبور يمشي متأبطاً طفولته، مثقلًا بذاكرةٍ شكلتها المخيمات واللجوء الفلسطيني والحرب الأهلية اللبنانية والاجتياح، وكثيراً ما كان يستعيد صورة أمه، الحاجة فاطمة، وهي تصحبه إلى مخيم صبرا المجاور لمنطقتهم، حيث اعتادت أن تشتري من خضَرجيّ فلسطيني يُدعى أبو إبراهيم، ومنه التقط أول مفردة فلسطينية في حياته؛ "آه": هذا التعبير الصغير، هو العامية من "نعم"، ولاحقاً حين سألته والدته في ما إذا كان ينوي الذهاب إلى الأردن للغناء في المخيمات الفلسطينية، ونصحته بأن يفكر في عدم الذهاب، ثم سألته "شو يا أمي بدك تروح؟" فأجاب "آه".
كان المخيم بالنسبة إلى قعبور مقرّاً لكل منبوذي العالم، فقراء اللبنانيين والسوريين واللاجئين الفلسطينيين، وكانوا جميعاً يخطون اسمه على أجبنتهم، وهو الشاهد الحي والأول في ذاكرته على مأساة اللجوء الفلسطيني، لا سيما بعد مجزرتي صبرا وشاتيلا عام 1982، التي قرر فيها أن يدخل المخيم، مثلما فعل المسرحي الفرنسي جان جينيه، حتى لا ينسى ويظل صوته حافزاً ليقول "لا" للمحتل.
حين قرأ رواية "أم سعد" لغسان كنفاني، أثرت فيه إلى حدّ أن سمّى ابنه سعد، ليغدو هو أبا سعد وزوجته أم سعد، وانعكس ذلك في أغنياته عن فلسطين؛ إذ غنى لشهدائها وأبنائها البسطاء، وكان ينهل من شعرية نبض الشارع، لذا فإن أغنياته عن فلسطين على ما فيها من غضب، تمتزج برقة المشاعر الإنسانية الصادقة، ولطالما غنى للطفولة والوطن المسلوب والحرية، ومن أغنياته الخالدة "يا نبض الضفة لا تهدأ أعلنها ثورة" التي خلّدت ذكرى الشهيدة الطفلة لينا النابلسي، لينا التي "كانت طفلة تصنع غدها" و"سقطت لكن دمها كان يغني" لاحقاً، عرف فتيات يحلمن اسم لينا، وقد أُطلق عليهنّ هذا الاسم تيمناً بالأغنية. عاشت لينا في وجدان قعبور الذي حلم، ما إذا تحررت فلسطين في حياته، أن يزور مدرستها ويجلس على أحد مقاعدها ويلتقي أهلها ليخبرهم أن صمودهم صنع أغنية.
لم يعش أحمد قعبور طوال حياته في برج عاجي، ولم ينظر إلى المأساة من علٍ، وإنما نشأ في بيت متواضع لأسرة كادحة من ستة أخوة وثلاثة أيتام من أبناء العمومة، وأب هو محمود الرشيدي (قعبور) أول عازف كمان في لبنان، عمل في حفلات كبار النجوم العرب مثل فريد الأطرش وشادية، وترك في نفس ابنه أثراً مزدوجاً، إعجاباً بالموسيقى وبالنجوم، ومرارة أن تكون عازفاً في ظلهم، لذلك لم تكن نصيحته لابنه عابرة: "إذا قررت تكون، ما تغني أو تعزف ورا حدا… ما تكون إلا بالمقدمة".
كان قعبور الملحن والشاعر أحياناً والممثل الذي تخرج من كلية الفنون من الجامعة اللبنانية قسم المسرح، ولعب أدواراً في مسلسلات مثل "كارلوس" عام 2010 الذي جسد فيه شخصية المناضل الفلسطيني وديع حداد، إضافة إلى أفلام لبنانية وأعمال درامية عربية.
نهل قعبور من منزل العائلة أفكارها ورؤيتها للعالم واشتباكها بالسياسة، وحفظت ذاكرته كيفية انعكاس الأحداث السياسية في العالم العربي على أسرته، فقد رأى دموع والده عند رحيل الرئيس المصري جمال عبد الناصر، وساعده في تمويه شبابيك بيتهم عند الاجتياح الإسرائيلي، وعرّفه شقيقه الأكبر إلى الأغنية السياسية الفرنسية. أما شقيقته ندى، فهي بالنسبة إليه صفية في رواية "عائد إلى حيفا"؛ إذ اندفعت إلى الشارع لترفض الهزيمة عام 1967 وراحت تصرخ في شوارع حيهم في بيروت "لا".
في مرحلة من حياته، عمل قعبور أستاذ مدرسة، ثم أصبح مديراً، ولذا في مسيرته 30 مسرحية للأطفال، وكذلك أكثر من 300 عمل لمؤسسات مثل مسرح الدمى اللبناني والسنابل.
الطفولة والحب والسعي اليومي بالنسبة إلى قعبور هي من مفردات النضال، إذ استلهم من الشارع شخصيات يستحضرها في أغنياته مثل الحاج محمد في أغنية "يا رايح صوب بلادي" وأبو أحمد في "علوا البيارق" ومحمد الفقير بائع العناب الذي كان ينادي بأسلوب شعري "هدايا للأحباب يا عناب"، واستشهد بقذيفة إسرائيلية خلال الحرب اللبنانية. واتّسع خطاب أحمد قعبور الغنائي ليشمل أبعاداً إنسانية وعاطفية، كما في ألبوم "حب" (1982)، وواصل تقديم أعمال تنشغل بهموم الإنسان اليومية، مثل "خلّينا مع بعض" و"صوتن عالي" (2002)، و"بدي غني للناس" (2010)، و"لما تغيبي" (2019).
