عربي
حذّرت المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين من أنّ لبنان يواجه خطراً حقيقياً بشأن وقوع "كارثة إنسانية"، وذلك وسط العدوان الإسرائيلي المتواصل عليه منذ الثاني من مارس/ آذار الجاري. وأشارت ممثلة المفوضية في لبنان كارولينا ليندهولم بيلينغ، من بيروت، خلال مؤتمر صحافي عُقد اليوم الجمعة في قصر الأمم المتحدة بمدينة جنيف، إلى أنّ حدّة الصراع تتصاعد بوتيرة متسارعة، ما يجعل البلاد أمام أزمة إنسانية متفاقمة.
ودعت المفوضية، على لسان بيلينغ، إلى تقديم دعم عاجل للبنان من أجل تفادي الكارثة الإنسانية المتوقّعة، ولا سيّما أنّ الغارات الإسرائيلية المكثّفة وكذلك أوامر الإخلاء التي تأتي على نطاق واسع، أجبرت أكثر من مليون شخص، ما يعني واحداً من بين كلّ خمسة من السكان، على ترك منازلهم. وأكدت ممثّلة المفوضية في لبنان أنّ النزوح يمتدّ الآن من جنوبي لبنان وشرقيه إلى بيروت وشمالي البلاد، في وقت ما زالت فيه أعداد النازحين في ازدياد.
ولفتت المسؤولة الأممية إلى أنّ لبنان كان يواجه، قبل العدوان الأخير، أزمات متعدّدة، وقد أتى النزوح الجماعي ليضيف ضغطاً هائلاً على العائلات والخدمات، مشدّدةً على "واجب توفير الحماية للمدنيين في كلّ الأوقات". ونقلت بيلينغ ما يردّده لها النازحون مراراً وتكراراً: "إنّهم يريدون ببساطة العودة إلى ديارهم"، مضيفةً أنّ "واجبنا مساعدتهم حتى يتمّكنوا من العودة بأمان".
This is a summary of what was said by @KarolinaBilling, UNHCR Representative in Lebanon at today’s press briefing at the Palais des Nations in Geneva.https://t.co/nTDRyAxrvB
— UNHCR Lebanon (@UNHCRLebanon) March 27, 2026
يُذكر أنّ المتحدّث باسم جيش الاحتلال يمضي في إصدار أوامر إخلاء، تأتي بمعظمها شاملة، إذ تغطّي مساحات كبيرة، خصوصاً من الجنوب ومن ضاحية بيروت الجنوبية. وقد قُدّرت مساحة المناطق المشمولة بأوامر إخلاء بنحو 14% من مجمل مساحة لبنان البالغة 10.452 كيلومتراً مربّعاً، وفقاً لأكثر من منظمة دولية من بينها "أطباء بلا حدود" و"المجلس النرويجي للاجئين" وكذلك من وكالات تابعة للأمم المتحدة. كذلك كانت تحذيرات، منذ الأيام الأولى من العدوان، بأنّ هذا التهجير القسري الشامل يُعَدّ من جرائم الحرب، علماً أنّ من بين المنظمات التي قالت بذلك "هيومن رايتس ووتش" إلى جانب وكالات أممية.
ويأتي النزوح القسري الذي يشهده لبنان في الوقت الراهن استثنائياً، إذ إنّ البلاد لم تشهد مثيلاً له في تاريخها الحديث، في أيّ من الحروب التي شهدها؛ الإسرائيلية كما تلك الداخلية. ووسط هذا النزوح، بيّنت ممثّلة المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين أنّ سكان لبنان لا يشعرون بالأمان، حيثما وُجدوا، مشيرةً إلى أنّ غارات إسرائيلية استهدفت في الأسبوع الماضي محلّتَين في قلب العاصمة بيروت؛ زقاق البلاط والباشورة المكتظّتان بالسكان، علماً أنّ كثيرين لجأوا إليهما طلباً للأمان.
أضافت بيلينغ أنّ واحدة من الغارات الإسرائيلية وقعت على بُعد مبنى واحد فقط من مدرسة تؤوي عائلات نازحة، وهي المدرسة التي كانت قد زارتها مع محافظ بيروت مروان عبّود قبل أيام قليلة، في إطار جولاتها لمتابعة شؤون الذين هجّرتهم آلة الحرب الإسرائيلية، وأكدت أنّ العائلات النازحة تعيش في حالة دائمة من الخوف، محذّرةً من أنّ التداعيات النفسية السلبية لذلك سوف تستمرّ لمدّة طويلة بعد انتهاء الصراع الحالي، ولا سيّما على الأطفال.
هذه آثار الغارات التي استهدفت حي الباشورة في بيروت، حيث نزح آلاف الأشخاص بحثًا عن الأمان.
في أحياء كانت تعجّ بالحياة، يسود الصمت الآن بين المباني المدمّرة والشوارع الخالية.
منازل دُمّرت. حياة اقتُلعت من جذورها. وناس أجبرت على الهرب مرةً أخرى.
النازحون يستحقون الحماية. pic.twitter.com/iYUPstfgKC
— مفوضية اللاجئين (@UNHCR_Arabic) March 25, 2026
في سياق متصل، أفادت ممثّلة المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في لبنان، خلال المؤتمر الصحافي نفسه، بأنّ فرص الوصول إلى مكان آمن تزداد صعوبة، شارحةً أنّ تدمير جسور رئيسية في جنوب لبنان أدّى إلى عزل مناطق بأكملها. أضافت بيلينغ أنّ ذلك تسبّب في عزل أكثر من 150 ألف شخص وتقييد وصول المساعدات الإنسانية إليهم بصورة كبيرة.
تجدر الإشارة هنا إلى أنّ تدمير جيش الاحتلال الإسرائيلي الجسور وكذلك التهديد بنسفها يمثّلان انتهاكاً للقانون الدولي الإنساني، ويؤشّران إلى جريمة حرب، ولا سيّما أنّ الجسور كما الطرقات تُصنَّف من الأعيان المدنية. وهو أمر لفتت إليه جهات عدّة منذ أيام، من بينها مجلّة "المفكرّة القانونية" ومنظمة "هيومن رايتس ووتش" وغيرهما.
تعدّ الجسور والطرقات من الأعيان المدنية المحمية بموجب القانون الدولي الإنساني. يؤدّي تدمير هذه الجسور، التي تشكّل شرايين أساسية لحركة التنقّل والخدمات إلى:
- عزل مناطق واسعة جنوب الليطاني عن شماله وقطع الاتصال بين الأقضية.
- قطع سبل الوصول إلى الخدمات الأساسية وإلى عمليات الإغاثة… pic.twitter.com/00PgKauCWM
— Legal Agenda (@Legal_Agenda) March 24, 2026
وخلال استعراض الوضع في لبنان اليوم، أفادت ممثّلة المفوضية السامية للأمم المتحدة بأنّ "عائلات كثيرة نلتقي بها يومياً نزحت للمرّة الثانية أو الثالثة"، مشيرةً إلى أنّ ثمّة عائلات عادت إلى المدرسة نفسها التي لجأت إليها في عام 2024. يُذكر هنا أنّ الاحتلال الإسرائيلي كان قد صعّد عدوانه على لبنان ككلّ في سبتمبر/ أيلول من العام المذكور، بعدما كان قد بدأ يستهدف القرى الجنوبية الحدودية مع فلسطين المحتلة منذ أكتوبر/ تشرين الأول 2023.
وبيّنت بيلينع أنّ أكثر من 136 ألف نازح يقيمون اليوم في نحو 660 مركز إيواء جماعي، استُحدثت في مدارس، هي اليوم مكتظّة وتفوق طاقتها الاستيعابية وفقاً للمسؤولة الأممية، وحذّرت من أنّ الاكتظاظ وغرف الصفوف المشتركة ومحدودية الوصول إلى خدمات الصرف الصحي وغيرها من الخدمات الأساسية، تمثّل كلّها مخاطر تعتري الحماية بصورة كبيرة، بما في ذلك التعرّض للاستغلال والعنف القائم على النوع الاجتماعي.
كذلك لفتت المسؤولة الأممية إلى الآثار السلبية للنزوح على كبار السنّ وذوي الإعاقة خصوصاً، شارحةً أنّ هؤلاء يجدون صعوبة في النوم على أرضيات غرف صفوص المدارس أو استخدام المرافق المخصّصة للأطفال في هذه المنشآت التربوية. وتابعت بيلينغ أنّ التوتر والصدمات النفسية تتزايد في مثل هذه الظروف غير الملائمة، ووسط الاكتظاظ.
إلى جانب كلّ ذلك، شدّدت بيلينغ، في المؤتمر الصحافي اليوم، على أنّ ثمّة "حاجة واضحة وعاجلة إلى رفع مستوى الحماية والدعم المجتمعي، إلى جانب الحاجة الملحّة إلى المأوى"، وإذ أكدت أنّ ثمّة "خطراً حقيقياً بشأن وقوع كارثة إنسانية"، رأت أنّ من الممكن التخفيف من المخاطر الأخرى، بما في ذلك العنف والاستغلال وتصاعد التوتّرات، من خلال دعم الاستجابة الطارئة التي تقودها الدولة اللبنانية والمشمولة في "النداء الإنساني العاجل للبنان".
يُذكر أنّ هذا النداء كان قد أُطلق في 13 مارس الجاري، بحضور الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريس، أمّا الهدف منه فتأمين تمويل دعم بقيمة 308.3 ملايين دولار أميركي للبنان وسط العدوان الإسرائيلي. وقد أتى ذلك في حين كانت نسبة النازحين الذين هجّرتهم آلة الحرب الإسرائيلية تُقدَّر بنحو 14% من سكان لبنان، علماً أنّ النسبة اليوم تفوق 20% وفقاً للبيانات الأممية الأخيرة.
وأفادت ممثّلة المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في لبنان بأنّ وكالتها تواصل قيادة قطاعَي الحماية والمأوى، وسط أزمة النزوح الأخيرة، بالتعاون مع وزارة الشؤون الاجتماعية اللبنانية والمنظمات غير الحكومية الشريكة، مبيّنةً أنّها قدّمت أكثر من 198 ألف مادة إغاثية أساسية في هذا الإطار، إلى جانب العمل من أجل تحسين مستوى الخصوصية وحفظ كرامة النازحين في مراكز الإيواء. وأكدت بيلينغ أنّ المفوضية وشركاءها قدّموا، حتى اليوم، الدعم لأكثر من 27 ألف شخص من خلال خدمات الحماية، بما في ذلك الدعم النفسي وكذلك الاجتماعي، والأنشطة الترفيهية، والاستشارات، والمساعدة الموجّهة للفئات الأكثر ضعفاً، لكنّها لفتت إلى أنّ "توفّر التمويل الكافي لندائنا الأوّلي، الذي يزيد عن 60 مليون دولار أميركي، يمكننا من توسيع نطاق هذه البرامج من ضمن الاستجابة المشتركة بين الوكالات (الأممية)".
وشدّدت بيلينغ على أنّ الدعم المقدّم يتجاوز الاستجابة الطارئة المباشرة، إذ إنّه يعزّز منظومات الحماية الوطنية والمنظومات الاجتماعية التي تعمل السلطات اللبنانية لإصلاحها، وأوضحت أنّه "من خلال الاستجابة للاحتياجات العاجلة اليوم، نستثمر في الوقت نفسه في استدامة تلك الجهود وقدرتها على الصمود على المدى الطويل"، لكنّها حذّرت من "تزايد الاحتياجات بوتيرة أسرع من الموارد المتاحة"، على الرغم من الاستجابة، وأوضحت أنّ الاكتظاظ في مراكز إيواء النازحين سوف يتفاقم من دون توسيع نطاق المآوي، وأنّ المخاطر التي تواجه الأطفال والنساء والفئات الأخرى الأكثر ضعفاً سوف تتضاعف من دون تعزيز الحماية، وأنّ الوضع المتردّي أساساً سوف يتحوّل إلى حالة من التوتّر في حال لم تصل المساعدات إلى من يحتاج إليها سريعاً.
