أحمد قعبور المنادي الذي لم يتعب صوته
عربي
منذ ساعة
مشاركة
مات أحمد قعبور عن 71 عاماً في 26 مارس/آذار الحالي. خبرٌ تناقلته وسائل الإعلام يحمل في طيّاته مسيرة فنية وإنسانية عميقة. برحيله، لا تسقط ورقة من شجرة الفن اللبناني فحسب، وإنما يغيب الشاهد الأخير على زمن كان فيه اللحن سلاحاً، والنغم رصاصاً، والصوت ملاذاً، والأغنية وطناً بديلاً لمن سُلبت أوطانهم. رحل الصبي البيروتي الذي لم يخطط يوما ليكون مطرباً، لكن القدر الفني اختاره ليكون حنجرة الثورة، وخازن أحلام شعراء الرفض. في اللحظة التي أُعلن فيها خبر غيابه، تجددت مشاعر الفقد، بعد أن انقطع الخيط الذي كان يربط الذاكرة ببيروت السبعينيات، وبأحلام الثورة الفلسطينية. غادر المنادي الذي لم يتعب صوته من ترداد "أشد على أياديكم" لنحو نصف قرن، تاركاً خلفه فراغاً لا يملؤه ضجيج الأغنيات الحديثة. كان أحمد قعبور يمثل الضمير الموسيقي الذي لم يتلوث ببريق الشهرة الزائف، وظل مخلصاً لتلك اللحظة البكر عام 1975، حين أنزل قصيدة توفيق زياد من على رفوف النخبة ليجعلها نشيداً للأرصفة والمخيمات. اليوم، يمثل رحيله نصيبنا من المآسي التي غناها، وكأن القدر يختبر قدرة الجماهير على مواصلة النشيد من دون قائده. لا يمكن فهم أحمد قعبور إلا بالعودة إلى جذوره البيروتية الأصيلة. نشأ في كنف والده، عازف الكمان الماهر محمود الرشيدي، الذي كان يصاحب بعزفه أعلام الطرب في محافلهم الكبيرة. كان يفخر بأبيه، لكنه لم يخطط لوراثة الكمان، بعد أن تعلق قلبه بخشبة المسرح، وبعالم التمثيل الذي يمنح الفنان قدرة على تقمص آلام الآخرين. منحت هذه الخلفية المسرحية ألحان قعبور فيما بعد صبغتها الدرامية؛ فهو حين يلحن، يبني نغماً مرئياً. ولعل هذا ما جعله يأوي إلى قصيدة توفيق زياد في لحظة الصدام الكبرى حين اشتعلت الحرب الأهلية في لبنان. في أجواء القصف، وانقطاع التيار الكهربائي، ورائحة البارود التي غطت سماء بيروت، لم يجد قعبور ملاذاً إلا في الكلمة. كانت "أناديكم" صرخته الشخصية ضد الظلام. وظف كورالاً غير محترف ليكون تجسيداً اجتماعياً لـ"الشعب الذي يغني" من دون حاجة لدروس موسيقية. أراد قعبور أن يكون الغناء جماعياً، عفوياً، خارجاً من رحم المعاناة اليومية، ليعلن أن الفن حق مشاع للمضطهدين. سياسياً، كان قعبور هو الجسر الذي عبرت عليه قصائد شعراء الرفض من فلسطين إلى العمق العربي. فإذا كان غسان كنفاني قد صنف توفيق زياد ضلعاً ثالثاً مع درويش والقاسم، فإن قعبور هو من منح هذا الضلع قوته الضاربة. حول قعبور نضال توفيق زياد (الذي ذاق سجون طبرية والدامون وكان رئيساً لبلدية الناصرة وعضواً في الكنيست) من نضال سياسي/حزبي إلى حالة وجدانية عامة. فعلت "أناديكم" ما عجزت عنه الخطابات الحزبية؛ فقد وحدت الوجدان العربي من المحيط إلى الخليج تحت راية النداء. إن هذه الأغنية هي التي شرعنت دور الفن في زعزعة الاستقرار المعنوي للاحتلال. عندما كانت قوات الاحتلال تعتقل من يوزع منشورات توفيق زياد، كانت ألحان أحمد قعبور تخترق الأسلاك الشائكة عبر المذياع والحناجر. تحول قعبور بفضل هذا العمل إلى سفير فوق العادة لفلسطين، مبرهناً على أن الالتزام ليس جنسية تُكتسب بالولادة، بل هو موقف أخلاقي يُعمد باللحن والكلمة، ما جعل شهرة الأغنية تتخطى شهرة مبدعها، لتصبح ملكية عامة للأحرار في كل زمان ومكان. لذا، فعندما سأله الشاعر الفلسطيني محمود درويش: "من أي مدن فلسطين أنت؟"، لم يكن ذلك إلا اعترافاً بأن صوته قد تشبع بهوية الأرض لدرجة التماهي. وفي أعماله الأخرى مثل "لاجئ سموني لاجئ" و"يا نبض الضفة" و"وين ع رام الله"، كان يقدم قراءة سياسية تبتعد عن "الشعاراتية الفجة" وتميل إلى "الأنسنة". هو لم يغنِّ للمقاتل فقط، وإنما غنى للأم، وللعشب الأخضر فوق القبور، وللأطفال الذين ينتظرون الصباح. لقد جعل من "الالتزام" حالة فنية متجددة، لا تتجمد عند القوالب الأيديولوجية الصماء. عند تشريح البناء اللحني لأعمال أحمد قعبور نجد أننا أمام ظاهرة موسيقية ترفض الانصياع للقوالب الطربية التقليدية التي تعتمد على الاستعراض التقني. وهو في طريقته لا يحب أن يكون ملحناً تزيينياً، وإنما كان بنيوياً تكمن عبقريته في قدرته على صياغة ميلوديا عابرة للطبقات، فهي بسيطة لدرجة أن يرددها العامل في مصنعه والفلاح في حقله، لكنها عميقة بقدرتها على التكثيف الشعوري. استطاع قعبور تحرير الأغنية الملتزمة من الجفاف الثوري الذي وسم كثيراً من أناشيد تلك الحقبة، مانحاً إياها ليونة وجدانية جعلت المستمع يشعر أن اللحن لا يهاجم أذنيه بالطبول، بل يتسلل إلى ذاكرته مثل صوتٍ قديمٍ كان يبحث عنه. وبهذا الإخلاص الفني بقيت ألحانه ناضرة لا تشيخ، فالزمن يأكل الزخارف، لكنه لا يستطيع النيل من الجوهر العاري الذي قدمه قعبور في "أناديكم" و"يا نبض الضفة"، حيث اللحن هو خادم أمين للنص، والصدق هو الميزان الوحيد للجودة. لا يمكن قراءة تجربة أحمد قعبور بمعزل عن جغرافية بيروت وتحولاتها السوسيولوجية الحادة؛ فهو ابن الزواريب التي اختبرت معنى الحصار، وابن الشوارع التي تقاطعت فيها أحلام القومية العربية بانكسارات الحرب الأهلية. في أغانيه، بيروت ليست مجرد ديكور مكاني، بل هي شخصية درامية كاملة الحضور. استطاع بصوته أن يؤرخ للمدينة في لحظات ضعفها وقوتها؛ فبينما كانت المدافع تفرض لغتها، كان قعبور يفرض لغة الاستمرارية والتمسك بالحياة. إن علاقته بالمدينة كانت علاقة حب نقدي، فهو لم يغنِّ لجمالها الزائف أو صخبها السياحي، بل غنى لناسها، لفقرائها، وللمثقفين الحالمين على أرصفتها. هذا البعد الاجتماعي جعل من صوته رابطاً بين المتناقضات اللبنانية، فوجد فيه الجميع مرآة لعذاباتهم. قعبور لم يترك بيروت في عز أزماتها، بل ظل يمنحها جرعات أمل صوتية، معتبراً أن دور الفنان في المدينة المنكوبة هو أن يكون حارساً للهوية ومنارة ترشد التائهين وسط غبار المعارك وتعدد الولاءات. وبرحيل أحمد قعبور يتجدد التساؤل الجوهري عن مصير الأغنية الملتزمة في عصر الاستهلاك والسطحية الرقمية. كان قعبور يمثل مدرسة أخلاقية في الفن تؤمن بأن الكلمة أمانة واللحن مسؤولية. إنّ إرثه، الممتدّ من أغاني الأطفال الرقيقة إلى الأناشيد الثورية، يشكّل أرشيفاً وجدانياً لفلسطين ولبنان. وحين شعر بأن المسرح يلامس الزيف، عبّر عن ذلك بموقفٍ فنيّ كما في "ولهذا أستقيل"، واضعاً الفنّان أمام امتحان المصداقية. وسيبقى هذا الإرث حيّاً كلما ارتفع صوت يرفض الظلم، أو استعاد لاجئ كلمات "أناديكم" ليشدّ بها أزره. أمّا غيابه، فليس إلا انتقالاً للصوت من الحنجرة إلى الذاكرة، حيث يظلّ ذلك الفتى النضر واقفاً في وجه العتمة، حاملاً صوته كأمانة، وصائناً العشب الأخضر فوق قبور من سبقوه. رحل أحمد قعبور لكن صوته سيظل يتردد في كل زاروب من زواريب بيروت، وفي كل مخيم من مخيمات الشتات، فمن نشأ فنه من رحم المعاناة لا يموت، لأنه يحيا في حناجر الملايين. رحل الرجل الذي علم محبيه أن الأغنية ضمير مستتر يظهر في وقت الشدة ليقول أنا هنا... أناديكم.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية