كولومبوس في البيت الأبيض
عربي
منذ أسبوع
مشاركة
ليس بلا دلالةٍ أن تمثالاً لكريستوفر كولومبوس نُصِب، الأحد الماضي، في إحدى باحات البيت الأبيض، بطلبٍ من الرئيس ترامب، بعد صُنعه ليكون بالضبط كما الذي حطّمه في العام 2020 متظاهرون ساخطون في بالتيمور (ولاية ميريلاند)، ثم ألقوهُ في ميناء المدينة. وليس بلا دلالةٍ أن نصْب ذلك التمثال هناك في 1984 جرى بحضور الرئيس الأسبق ريغان الذي يلتقي مع الرئيس الراهن في ركاكة شخصيّته، وفي شعبويّته وجهله، وفي هوسه بالقوة الأميركية الأقصى والأقسى، وإن يختلف اثناهما بأن ريغان أحاط نفسه بكفاءاتٍ عاليةٍ في السياسة والخبرة والثقافة والدراية بشؤون الدنيا (بريجنسكي مثلا)، على غير ترامب المثقل بنرجسيّته، ويحيط نفسَه بمقرّبين منه لا تأهيل ظاهراً فيهم بالسياسة والدبلوماسية، وهذا كوشنر يفاوض إيران، ويُشكُّ إن سمع بمعدنٍ اسمُه اليورانيوم قبل أن يصبح كبير مستشاري والد زوجته. ... ولنا أن نراه شاهداً يُعزّز مشابهات ترامب مع سلفه ممثل السينما الفاشل احتفاءَه بالمستكشف الإيطالي الذي أبحر من إسبانيا باتجاه الهند شرقاً في 1492، قبل أن تنحرف سفُنه إلى الغرب، فيكتشف أميركا الحالية، ما صيّرَه بطلاً في عُرف ترامب (وغيره) الذي قال، في خطابٍ في ولايته الأولى (2020) إن "نمط الحياة الأميركي بدأ مع ذلك الاكتشاف". وفي بيانٍ للبيت الأبيض في المناسبة المستجدّة، إن "الرئيس ترامب سيعمل على ضمان تكريمه بصفته بطلاً لأجيال مقبلة". ليس الحدث تفصيليّاً، وإنما موصولٌ بشأنٍ ثقافيٍّ واجتماعيٍّ عميقٍ في الولايات المتحدة، فالبحّار المغامر (مات عن 55 عاماً) من عناوين انقسامٍ بين نخبٍ وشرائح ليست قليلة في المجتمع الأميركي، وهو يتقدّم رموز العنصرية والعبودية في العالم. ومن الطبيعيّ أن منتفضين في عدة ولايات أميركية، بعد قتل ضابط شرطة أبيض في مينابولس في ولاية منيسوتا الزنجي جورج فلويد، في يونيو/ حزيران 2020، أسقطوا نحو 30 تمثالاً له وأحرقوا بعضها ورموا أخرى في النهر، في منيسوتا وفرجينيا وبوسطن وماساتشوستس وميامي وغيرها، الأمر الذي شوهد مثلُه في كاراكاس وبيونس أيريس. وحدث في أكتوبر/ تشرين الأول الماضي أن ناشطتيْن شوّهتا في متحف في مدريد لوحةً تصوّر هبوط كولومبوس في "العالم الجديد"، تنديداً بما تعتبرانه (محقّتين) تدشين "أمير البحر" الاستعمار واستعباد شعوبٍ وسكّانٍ أصليين في غير منطقةٍ. وذلك تودوروف ذهب، في كتابة (الرائع) "فتح أميركا..."، إلى أن كولومبوس، والغُزاة الذين كانوا معه، صنعوا "أوسع إبادةٍ في تاريخ الجنس البشري". وكتب مختصّون إن حملة هذا القرصان الذي كان شديد التعصّب لكاثوليكيته، كما ملك إسبانيا وزوجته اللذين موّلا رحلته، أبادت نحو 70 مليوناً من السكّان الأصليين ما بين ألاسكا في أميركا الشمالية وأطراف القارّة اللاتينية الجنوبية "بمختلف وسائل القمع والاضطهاد والوحشية التي لم تعرِف لها البشرية مثيلاً من قبل"، بحسب باحث بوليفي. الراجح أن ترامب لا يعرف شيئاً من هذا، وإذا بلغَه بعضٌ منه لا يجد نفسَه معنيّاً به، فهو معنيٌّ بالثأر والانتقام (!)، من سابقه جو بايدن الذي تبنّى، في إعلانٍ رسمي، الاحتفال بـ"يوم الشعوب الأصلية"، ويُحتفى فيه منذ 23 عاماً بثقافات الشعوب الأميركية الأصلية وتاريخهم، فكان أول رئيسٍ للولايات المتحدة يفعل هذا، بديلاً عن "يوم كولومبوس" الذي يبتهج به أميركيون ويرفضُه آخرون انتصر لهم، لكن ترامب أعاده بتسميته هذه، في إبريل/ نيسان الماضي، واعتبر أن "الديمقراطيين فعلوا كل ما في وُسعهم لتدمير كريستوفر كولومبوس وسمعته". ويتّسق نصبُه التمثال أخيراً في فناء البيت الأبيض مع تصريحاتٍ غزيرةٍ له منذ ولايته الأولى لتعزيز منظوره هذا، الذي يُدرِج فيه أصحاب الموقف من كولومبوس مع الشيوعيين والغوغاء. تبقى قصيدة محمود درويش "خطبة الهندي الأحمر ما قبل الأخيرة أمام الرجل الأبيض" (1992) من أبدع ما كتب، وفيها عن كولومبوس "...، كأنه لا يصدّق أن البشر سواسيةٌ كالهواء، ...". وترامب أيضاً لا يريد أن يصدّق أن البشر سواسيةٌ كالهواء. وهذه هي القصّة، مبتدأُها وحبرُها، قبل نصب التمثال وبعده.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية