عربي
كشفت وزارة النفط العراقية عن خطط استراتيجية لتطوير منظومة تصدير النفط، تشمل إنشاء خط جديد باتجاه ميناء بانياس السوري، إلى جانب رفع الطاقة التصديرية عبر ميناء جيهان التركي إلى نحو 650 ألف برميل يومياً. وقال وكيل وزارة النفط، باسم محمد خضير، أمس الخميس، إنّ العراق يمتلك مسارين رئيسيين لنقل النفط حالياً؛ أحدهما داخل إقليم كردستان بطاقة تبلغ 900 ألف برميل يومياً، والآخر هو الأنبوب الرئيسي الممتد من كركوك إلى فيشخابور بطاقة تصل إلى 1.5 مليون برميل يومياً، مشيراً إلى أن هذا الخط تعرض لأضرار سابقة ويجري العمل على تأهيله حالياً.
وأوضح خضير، في تصريح صحافي، أنّ الطاقة التشغيلية الحالية للأنبوب الأساسي تبلغ نحو 350 ألف برميل يومياً، مع خطط لرفعها إلى 500 ألف برميل يومياً بعد استكمال أعمال التأهيل، فيما يمكن أن يسهم إنتاج حقول كركوك بنحو 250 ألف برميل يومياً في عمليات التصدير عبر جيهان. وفي ما يتعلق بإقليم كردستان العراق، أشار وكيل وزارة النفط إلى أن حجم الصادرات قبل الأزمة كان يقارب 200 ألف برميل يومياً، مع إمكانية رفعه إلى 400 ألف برميل يومياً، ما يتيح الوصول إلى إجمالي طاقة تصديرية قد تناهز 650 ألف برميل يومياً، اعتماداً على زيادة الإنتاج في الحقول المحلية.
وأكد خضير أن الوزارة تدرس إنشاء خط نفط جديد من الجنوب العراقي، مع فروع تمتد نحو الأردن وسورية (بانياس)، في إطار خطة أوسع لتعزيز مرونة التصدير ومواجهة المخاطر الجيوسياسية، خصوصاً تلك المرتبطة بـمضيق هرمز، مع فتح الباب أمام شركات عراقية وأجنبية للمنافسة على تنفيذ المشروع ضمن المواصفات العالمية. ويُعد خط كركوك – بانياس من أبرز مشاريع الطاقة التاريخية، إذ أُنشئ عام 1952 بطول يقارب 800 كيلومتر، ليربط حقول نفط كركوك بميناء بانياس السوري على البحر المتوسط، وبطاقة تصديرية تقارب 300 ألف برميل يومياً. وقد توقف عن العمل عام 1982 إبان الحرب العراقية الإيرانية، قبل أن يُعاد طرح ملفه في أعوام 2007 و2010، ثم عاد إلى الواجهة مجدداً في السنوات الأخيرة.
تحديات مالية واقتصادية أمام خط الأنابيب باتجاه بانياس
في السياق، يرى الخبير في مجال الطاقة، كوفند شيرواني، أن توجه وزارة النفط العراقية لإنشاء خط أنابيب باتجاه ميناء بانياس السوري يعكس رغبة واضحة في تنويع منافذ التصدير وتقليل الاعتماد على المسارات التقليدية، إلا أن تحقيق هذا المشروع يواجه تحديات كبيرة على أرض الواقع. وأوضح شيرواني، في حديث لـ"العربي الجديد"، أنّ وجود خط قديم متوقف منذ نحو أربعة عقود لا يعني إمكانية إعادة تشغيله، إذ إنّ البنية التحتية لذلك الخط أصبحت متهالكة وغير صالحة للاستخدام، ما يجعل الخيار الوحيد هو إنشاء خط جديد على المسار نفسه، وهو مشروع مكلف ومعقد.
وأضاف أنّ إنشاء الخط الجديد يتطلب تمويلاً يتراوح بين سبعة وثمانية مليارات دولار، ومدة تنفيذ لا تقل عن عامين، إلى جانب الحاجة إلى تجهيزات فنية متقدمة تشمل محطات الضخ وأنظمة السيطرة والقياس، فضلاً عن ترتيبات أمنية معقدة، لا سيما أنّ مسار الخط يمرّ بمناطق حساسة. وأشار إلى أنّ هذا التوجه يحمل أهمية استراتيجية، إذ سيوفر مساراً أقصر وأكثر كفاءة لنقل النفط العراقي من حقول كركوك والموصل وصلاح الدين إلى الأسواق الأوروبية، ما يسهم في خفض تكاليف النقل وتعزيز مرونة الصادرات العراقية في مواجهة الأزمات.
غير أنّ شيرواني أكد في الوقت ذاته أنّ الظروف المالية والاقتصادية الحالية في العراق، إضافة إلى التحديات السياسية والأمنية في المنطقة، تجعل تنفيذ هذا المشروع في المدى القريب أمراً صعباً، ما يعني أنه يبقى خياراً استراتيجياً طويل الأمد أكثر منه حلاً فورياً. وشدد شيرواني على أن الأولوية في المرحلة الحالية يجب أن تتركز على تعظيم الاستفادة من خط كركوك – جيهان التركي ورفع طاقته التصديرية، باعتباره الخيار الأكثر واقعية وسرعة لتعويض جزء من خسائر الصادرات.
حلول مرحلية
في السياق نفسه، أكد الخبير الاقتصادي عبد السلام حسن أن التوجه نحو مشاريع استراتيجية مثل خط كركوك – بانياس يجب أن يترافق مع حلول مرحلية سريعة لمعالجة اختناقات التصدير، مشيراً إلى أن عامل الوقت يلعب دوراً حاسماً في إدارة الإيرادات النفطية. وأوضح حسن، لـ"العربي الجديد"، أن من بين هذه الحلول يمكن الاعتماد مؤقتاً على النقل عبر الصهاريج (السيارات الحوضية)، خياراً مرناً يتيح استمرار تدفق جزء من الصادرات، مبيناً أن العراق قادر على تصدير ما بين 200 و250 ألف برميل يومياً باتجاه ميناء العقبة عبر هذا الأسلوب.
وأضاف أن هذا الخيار، رغم كلفته التشغيلية المرتفعة بسبب تكاليف النقل والتأمين والشحن، يوفر بديلاً سريع التنفيذ مقارنة بمشاريع الأنابيب النفطية الاستراتيجية التي تحتاج إلى سنوات، ما يجعله أداة داعمة لتقليل الخسائر في المدى القصير. وأشار إلى أن إدارة قطاع التصدير تتطلب مزيجاً من الحلول الآنية والاستراتيجية، بما يضمن الحفاظ على استقرار الإيرادات في الحاضر، بالتوازي مع العمل على تطوير بنية تحتية أكثر استدامة على المدى الطويل.
