"هامنت": فرصةٌ للاستمتاع بالسينوغرافيا والأداء السينمائيّين
عربي
منذ أسبوع
مشاركة
  سيرة ذاتية افتراضية، يقدّمها "هامنت" (2025، 125 د.) لكلوي تشاو (صينية أميركية)، المأخوذ من رواية بالعنوان نفسه (2020) لماغي أورفايل (بريطانية مولودة في أيرلندا)، تروي في دراما تاريخية حكاية ـ مبنية على تصوّرات تاريخية ـ مرحلة من حياة الكاتب والممثل والمخرج المسرحي ويليام شكسبير، في مستهل القرن الـ16، عندما كان اسما هامنت وهاملت يعنيان الشيء نفسه في السجلات المدنية. حقّق "هامنت"، في الأسابيع الأولى لعروضه التجارية، نحو 100 مليون دولار أميركي، 70% منها خارج الولايات المتحدة الأميركية وكندا، متجاوزاً بذلك أرقام أفلام الأكشن الهووليودية من فئة "المشغول بعناية"، وتصدّر ترشيحات جوائز كثيرة ومهرجانات مُصنّفة فئة أولى، وإدراجه في لائحة أفضل 10 أفلام للمعهد الأميركي للأفلام عام 2025، بينما فازت الأيرلندية جيسي باركلي بأوسكار أفضل ممثلة عن دورها فيه (15 مارس/آذار 2026). لم يكن موت هامنت (جاكوبي جوب)، ابن ويليام (بول مسكال) وأغْنس (باكلي) شكسبير، بالطاعون موتاً قدرياً عابراً على ذويه، كعبور أحزان الدنيا، بل انغماساً في تراجيديا بطولية، مارسها الطفل هامنت كما تلقاها تربوياً على يدي والده. فالطفل أُصيب بعدوى الطاعون من أخته المحتضرة، قناعة منه أنه سيموت عنها فقط، في تعبير عن لحظة عاطفية، تتجاوز الطبيعة البشرية، ومورّطاً الدراما بأحلى ما تشتهيه من بيئة تخيلية لنوع خاص من أنواع الصراع الحكائي. لحظة ابتدائية، رغم وقوعها في أواسط الشريط المُصوّر، مع تجمّع خيوط التطيرات السحرية لآن، وأزمة ويليام الذي لا يجيد شيئاً سوى الكتابة. هذا الفَقْد صنع هوّة عميقة في أرواح أفراد أسرة شكسبير، المتفاعلة فيما بينها بحثاً عن خلاص وتطهّر، كأي رواية تراجيدية من التراجيديات اليونانية، وربما غيرها، لكنها تحتاج إلى تحديث يوازي زمن القرن الـ16 ويناسبه. أزمة ويليام وآن مع الماضي، لكن المعاناة في الحاضر الذي يمدّ جسوره إلى المستقبل. المعاناة هنا بالمقياس التراجيدي ألم صافٍ ونقي الأثر وبلا صخب، لا يسعفه سوى منفذ كبير للصراخ والتعبير: الإبداع. عليه، بُنيت الحكاية البصرية لـ"هامنت" كرحلة معاكسة لسيرورة أي فيلم، تمشي كالمعتاد من الحكاية (قصة، مسرحية، رواية) إلى الأفلمة عبر السيناريو، لتنتهي إلى فيلم. بينما في "هامنت" بدأت بفيلم، وانتهت إلى مسرحية تنفث كل هذا الألم/الصرخة في الفضاء الإنساني. هذا يُحسَب إبداعياً للمخرجة والكاتبة (سيناريو تشاو وأورفايل)، وتلتقي معهما بجدارة الممثلة باكلي، التي قدمت أداءً بالغ الدقة، وهذه فرصة للاستمتاع بفن التمثيل السينمائي وتقديره.     لم تكن قصة ويليام وآن، في هذه الحكاية البصرية الخلابة، سوى حامل سردي يبتغي الشريط استخدامهما وسيلة إيضاح بالغة الحساسية، فشكسبير هو مَنْ هو، وآن اسم يذكر إلى جانبه. لكن الفَقْد الذي واجهاه معاً، على قدر متساوٍ من الألم، نسج لآن مهارات نفسية مبنية على حساسيات الأسطورة الشعرية. وبينما يظهر ويليام مأزوماً في مأزق التعبير الوجودي. كانت آن تطير مع سحابات خيالاتها المليئة بالتوقّعات، السلبية والإيجابية، إذ بدت الأسطورة بين يديها أكثر واقعية من خيالات الكتابة عند ويليام، وحتى الإخراج. بهذه المفارقة، بُنِي الاحتدام الدرامي، الذي تجاوز في أثره الحكاية/الحامل بأسمائها الكبيرة، لامساً قلوب المشاهدين، كحالة إنسانية عامة، لها مرتسماتها وتطبيقاتها في جوانيات كل إنسان. وبهذا، يبتعد الطرح السينمائي عن الشخصيات النمطية، داعياً المشاهدين إلى نبش جوانياتهم في مواجهة مصايرهم، وهذه نتيجة، قلة من الأفلام حصلت عليها. مسألتان يُعوَّل عليهما في الاستمتاع بـ"هامنت": السينوغرافيا، بمعنى يتجاوز الديكور والملابس والمكياج إلى رحابة صناعة الأجواء. فالفيلم يعتمد مَشاهد بمنتهى الواقعية، أجاد الفنيون ابتكارها، صانعين أجواء تمدّ جسوراً مع المُشاهد، لكن الأشد لمعاناً السينوغرافيا المسرحية، إذ تتجلّى مهارة تشاو في ربط الفنّين (سينما ومسرح) أحدهما بالآخر من خلال العدسة، فيتخلى المسرح عن شرطيته البصرية، وتتخلى الكاميرا عن التقافز الاختصاري، لتصبح اللقطة "مسرفلمية"، تتخلى عن الثرثرة البصرية والكلامية (الحوار الشارح)، بالتعاون مع المسألة الثانية، أي الانضباط التمثيلي، بمعنى انفلات الممثل إبداعياً في خيوط الضبط، التي وضعتها تشاو. هذا نفسه متطابق مع شخصية ويليام شكسبير في حكاية "هامنت"، إذْ بدا الإبداع التمثيلي خشبة خلاص من مأزق الولوج في الشخصيات، التي عليها أن تكون واقعية، وفي الوقت نفسه مسرحية افتراضية ومشروطة، وهذه لعبة خطرة، مارسها الإخراج للحصول على أداء دقيق عبر الإبداع، لا عبر الطاعة وحدها. بحسب الرواية، قاوم شكسبير الألم بالإبداع، بصنع مسرحية "هاملت"، لكن هل وصل إلى سلامه الداخلي، خاصة بالتفاعل مع زوجته أمْ أولاده؟ نظرات بول مسكال، الممثل الرائع الذي أدّى دور ويليام شكسبير، لا تبيّن ذلك. يبدو أن الإبداع بحاجة إلى سؤال الألم.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية