بين المزاجَين ثمّة حقيقة واحدة
عربي
منذ أسبوع
مشاركة
اعتدتُ حين أتصفّح وسائل التواصل الاجتماعي قراءة التعليقات على أيّ خبر أو منشور اجتماعي أو سياسي أو ثقافي، تعارضه أو توافقه أو تناقشه أو تشتمه أو تمدحه... إلخ. فهذه التعليقات غالباً ما تكشف توجّهات المعلّقين أو حالاتهم النفسية أو انحيازاتهم الاجتماعية والسياسية والثقافية، فيمكن القول إنّ تعليقات المتابعين في وسائل التواصل الاجتماعي عند الأخبار العامة أو التحليلات الرصينة يمكنها، إلى حدّ ما، تكوين رأي مبدئي حول توجّه هذه الفئة أو تلك، وربّما تحديد وجهة نظر معيّنة حول مسارات المجموعات البشرية هنا أو هناك في أوقات الأزمات الكُبرى، كما يحدث حالياً، وهذا يعطي بعض المؤشّرات إلى مستقبل هذه المجموعات. وبالطبع، لا يمكن اعتبار هذه المؤشّرات دليلاً نهائياً على توجّه هذه المجموعات ومصائرها المقبلة، فهي استنباط لما يمكن أن يحدث لاحقاً، وربّما يفيد واضعي الخطط الاستراتيجية أو علماء الاجتماع أو مراكز الأبحاث المتخصّصة، لكنّها حتماً ليست مؤشّراً نهائياً على توجّه الرأي العام في هذا الوقت أو ذاك، ولا يمكن التعويل عليها في القياسات الإحصائية السياسية والثقافية. تكشف هذه التعليقات المزاج العام الافتراضي (نتحدّث عن الأخبار والتحليلات الراهنة) لا عن المزاج الأوسع الواقعي، بمعنى أنّها خاصّةٌ بالمجموعات الأكثر حضوراً في وسائل التواصل الاجتماعي، وهذا يرتبط بشروط لوجستية كي يتحقّق. والمجموعات الأكثر غضباً أو تأثّراً بالحدث الراهن، أو المجموعات الأكثر تفاعلاً، غالباً ما تعمل ضمن أنساق منظّمة للتفاعل الافتراضي ضمن ما يسمّى افتراضاً "ذباباً إلكترونياً وحسابات مزيَّفة". المزاج العام الافتراضي هو باختصار المزاج الذي يملأ المكان، والمكان هنا هو وسائل التواصل الاجتماعي. بينما المزاج الأوسع هو المزاج غير المرئي افتراضياً، هو رأي الناس العاملة، أو التي لديها هموم ومشكلات تجعل من وسائل التواصل ترفاً لا تقدر عليه، أو المجموعات غير المهتمّة بما يحدث، لأنّ الحدث لا يمسّها بشكل شخصي، أو المجموعات الصامتة التي تحتفظ برأيها لنفسها، أو الخائفة التي ترى في عرض آرائها خطراً ما، أو المجموعات التي لم تستطع تشكيل رأي حاسم حول الحدث الراهن أو ما زالت متردّدةً في الحسم، أو المجموعات التي تقرأ وتتابع من دون تعليق، معطية للعقل مساحةً أكبر من مساحة الانفعال اللحظي. مجموعات المزاج الواسع عادةً هي المجموعات الأكبر والأكثر عدداً، لكنّها الأقلّ حضوراً افتراضياً، باعتبار أنّ وسائل التواصل باتت هي معيار الحضور والوجود. لكنّها هي المقياس الحقيقي الذي يجب اعتماده لرصد رأي عام أو توجّه عام أو انحياز عام. لكن في الحالة السورية تحديداً، لم يعد يمكن التمييز بين المزاج الافتراضي والآخر الواقعي، ذلك أنّ التعليقات تكشف فعلاً حجم الانقسام المجتمعي المذهبي والطائفي في سورية، وهنا، بالمناسبة، لا يختلف الافتراض عن الواقع، فالمزاجان (العام الافتراضي والواسع الواقعي) يكادان يتطابقان في الحالة السورية الراهنة، ذلك أنهما مؤسّسان على سنوات من حرب طويلة ومجازر متبادلة ومواقف قائمة على تأييد سلطوي طائفي أو غلبة عددية طائفية. المزاجان مؤسَّسان على حالة جمعية من الخوف، الخوف من الماضي والخوف من الحاضر والخوف على المستقبل، هذا الخوف يظهر في صورة لغة غاضبة مشتركة يتبادلها السوريون المنقسمون، لغة يائسة أيضاً تعبّر عن يأسها بالعنف اللفظي المتبادَل الذي يكون أحياناً بديلاً من العنف الجسدي الواقعي، وتعبّر عن القتل القديم والحديث، وعن الخيبة المشتركة التي تتمثّل في هيئة كراهية متبادَلة. في الحالة السورية، يكاد الهامش بين المزاج الافتراضي العام والمزاج الواسع الواقعي يتقلّص، لأنّ الانقسام بات واسعاً جدّاً والاستقطاب شديد الوضوح، وباتت شوارع ضدّ شارع، وليس شارعاً مقابل آخر. على أرض الواقع، مثل ما في وسائل التواصل التي تعجّ بصفحات وتعليقات تشتم وتخوّن وتعدم كلّ مختلف، بات الانقسام هو المتن الذي يؤكّد هامشية الحيّز الآخر، حيّز الاتفاق على العيش المشترك والمواطنة الجامعة. باختصار، أصبحت التعليقات على الأخبار السورية في وسائل التواصل دليلاً على الحالة المُعاشة سورياً، وعلى أنّ الشرخ بات أعمقَ ممّا نتخيّل.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية