إيران و"عقيدة البقاء"
عربي
منذ ساعة
مشاركة
في عالم العلاقات الدولية، إذ تتقاطع المصالح مع القوّة، وتتصارع الروايات مع الحقائق، تظلّ قضية البقاء الاختبار الأكثر قسوةً لأيّ نظام سياسي، والمعيار الأهم لقياس قدرته على التكيّف مع التحوّلات الكبرى. وفي هذا السياق، تبدو إيران اليوم نموذجاً حيّاً لدولةٍ تعيد صياغة مفهوم البقاء، ليس بوصفه حالةً دفاعيةً مؤقّتةً، بل بوصفه عقيدةً استراتيجيةً متكاملةً تحكم سلوكها الداخلي والخارجي. ويشير مفهوم "عقيدة البقاء" إلى مجموعة المبادئ والرؤى التي تتبنّاها دولةٌ أو نظامٌ سياسيٌّ ما لضمان الاستمرار في ظلّ تهديدات وجودية، ويركّز هذا المفهوم بصورة أساسية في الدفاع عن الذات وإعطاء الأولوية لضمان بقاء النظام السياسي (والدولة) كياناً قادراً على الفعل في المحيطَين الإقليمي والدولي. تتأسّس "عقيدة البقاء" على عدّة ركائز أساسية، أهمها المركزية الوجودية التي تعني أن بقاء الدولة واستمرارها هو الهدف الأعلى الذي تقاس به جميع السياسات والاستراتيجيات، فيصبح أيُّ خيار استراتيجي، مهما كانت كلفته، مشروعاً إذ كان يخدم الهدف الأسمى، وهو البقاء وعدم الانهيار. كما تتأسّس هذه العقيدة على المرونة التكتيكية التي تعني القدرة على تعديل السياسات بسرعة في ضوء المتغيّرات التهديدية من دون التمسّك بثوابت قد تصبح في ظروف معينة عبئاً استراتيجياً، وكذلك تتأسّس على استخلاص الدروس من التاريخ من خلال قراءة عميقة لتجارب الدول الأخرى والاستفادة من نجاحاتها وإخفاقاتها. تبدو إيران اليوم وكأنّها انتقلت من مستوى التنظير إلى مستوى الممارسة الفعلية لـ "عقيدة البقاء" وفي هذا السياق، تبدو إيران اليوم وكأنّها انتقلت من مستوى التنظير إلى مستوى الممارسة الفعلية لـ "عقيدة البقاء"، خصوصاً مع تصاعد الضغوط العسكرية والأمنية التي بلغت ذروتها مع الحرب الأميركية الإسرائيلية الحالية عليها، وما رافقها من استهداف مباشر للقيادات العليا واغتيال الصفَّين الأول والثاني من السياسيين والعسكريين الذي كشف محاولةً أميركية – إسرائيلية واضحة لتطبيق ما يمكن تسميتها "استراتيجية قطع الرأس"، أي شلّ مركز القرار عبر تصفية القيادات الأساسية وإحداث فراغ قيادي يؤدّي إلى انهيار المنظومة من الداخل. يلفت النظر في السلوك الإيراني خلال هذه المواجهة التي تُعدُّ امتداداً لحرب الـ 12 يوماً (يونيو/ حزيران 2025) أن إيران لم تعد تبحث عن نصر عسكري تقليدي بقدر ما تتمسّك برواية بديلة للانتصار. فوفقاً لتقديرات وتحليلات كثيرة، بات مجرّد بقاء هيكل النظام الإيراني من دون انهيار كلّي يُعدُّ (بحدّ ذاته بحسب الرؤية الإيرانية) نصراً، أو على الأقلّ دليلاً على فشل مشروع تغييره. لا تبدو هذه المقاربة طارئة، بل تمتدّ جذورها إلى التجربة التاريخية الإيرانية، وتحديداً خلال الحرب العراقية – الإيرانية (1980 -1988). ففي تلك الحرب الطويلة، لم يكن الهدف الإيراني تحقيق نصر حاسم بقدر ما كان منع انهيار النظام في مواجهة هجوم شامل. ومع مرور الوقت، تحوّل الاستمرار في القتال وتفادي الهزيمة إلى إنجاز بحدّ ذاته، وهو ما رسّخ فكرةَ الصمود مرتكزاً أساسياً في العقيدة الاستراتيجية الإيرانية، باعتبارها حجر الزاوية في مقاربة النظام الإيراني للصراع منذ عقود. الدولة التي تنجح في منع سقوطها لا تكون بالضرورة قد نجحت في بناء مستقبلها وفي هذا الإطار، لا يمكن فهم قدرة النظام الإيراني على الاستمرار من دون النظر إلى بنيته الداخلية. فهي لم تُبنَ يوماً على شخص واحد، بل على شبكة معقّدة من المؤسّسات الدينية والعسكرية والسياسية، وهو ما ظهر جليّاً في المواجهة أخيراً. فعلى الرغم من الضربات القاسية، وتكثيف عمليات الاغتيال التي طاولت قمّة الهرم الإيراني، كانت بنية النظام الإيراني، القادرة على امتصاص الصدمات وإعادة هيكلة منظومته القيادية، سبباً في الانتقال التدريجي من مركزية القيادة إلى نمط أكثر تشابكاً يقوم على خطط طوارئ تقضي بتعيين ما بين ثلاثة إلى سبعة بدلاء لكلّ منصب قيادي حسّاس، وعلى اللامركزية في إدارة العمليات، وهو ما حدّ من تأثير استراتيجية "قطع الرأس" التي راهنت عليها الولايات المتحدة وإسرائيل. من جهة أخرى، لا تقتصر "عقيدة البقاء" على الداخل، بل تمتدّ إلى إدارة الصراع خارجياً من خلال توسيع جغرافيا المواجهة، أي تحويل الحرب من عبءٍ محلّيٍّ إلى كلفة إقليمية ودولية مشتركة، وهذا ما ظهر من خلال استهدافات إيرانية طاولت أغلب دول المنطقة وكذلك إغلاق مضيق هرمز وتهديد استقرار الطاقة. في المحصّلة، لا تبدو "عقيدة البقاء" في الحالة الإيرانية مجرّد خيار اضطراري فرضته لحظة الخطر، بل تحوّلت إلى إطار حاكم لطريقة فهم الدولة نفسها وموقعها في العالم. وعلى الرغم ممّا يمنحه هذا التحوّل من قدرة عالية للنظام الإيراني على الصمود وامتصاص الصدمات، يضعه أمام معادلة أكثر تعقيداً، فالدولة التي تنجح في منع سقوطها لا تكون بالضرورة قد نجحت في بناء مستقبلها. وعليه، لا يتعلّق السؤال الحقيقي الذي يفرض نفسه اليوم بقدرة النظام الإيراني على البقاء، بل بقدرته على الانتقال من "عقيدة البقاء" إلى "عقيدة بناء الدولة"، أي الانتقال من نظام يبرّر وجوده بقدرته على الصمود في وجه الضغوط والتحدّيات، إلى نظام يقيس نجاحه بقدرته على تحقيق التوازن بين الأمن والتنمية، وبين الردع والاستقرار.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية