عربي
نتناقل منذ عقود جملةً تعبّر عن النظرة الأميركية إلى نفط المنطقة العربية. ننسبها أحياناً إلى وزير الخارجية الأميركي هنري كيسنجر، خلال حرب 1973 وما تلاها من مفاوضات الهدنة وانفجار أزمة أسعار النفط. وأحياناً إلى ويليام روجرز (وزير الخارجية الأميركي حتى سبتمبر/ أيلول 73)، والجملة في الحقيقة تليق بأيّ منهما فهي تقول: "هذا ليس نفطكم، هذا نفطنا، ويصدُف أنكم تعيشون فوقه".
يعيد بعضهم الجملة إلى هاري ترومان (رئيس الولايات المتحدة 1945 ـ 1953) ويضيف إليها: "نحن اكتشفناه، ونحن نستخرجه". ويقول آخرون أكثر جديّة إن لا أحدَ من هؤلاء السياسيين قال جملةً كهذه، وهي جملةٌ وردت في مقال صحافي في صحيفة وول ستريت اليمينية، وإن أقرب جملة موثّقة هي جملة روجرز: "اعتمادنا المفرط على نفط الشرق الأوسط سيجعل قدرة العرب على المساومة تتزايد بشكل خطر، وإذا ظنّ العرب أنّ بإمكانهم استخدام النفط سلاحاً فهم واهمون".
ليست الحرب الكبرى الحالية ما أعادني إلى الجملة، رغم أن عليها أن تفعل، بل بيت شعر مرّ معي يمدح فيه شاعر مجهول يزيد بن المهلّب عند فتح جرجان: "فحباه الإله بالنصر لمّا أن رماهم بالنفط والنيران". وخطر لي زيف ادّعاء الأميركان أنهم اكتشفوا نفطنا، وأنّ نفطنا لا يحتاج من يكتشفه أصلاً، فهو يخرج من باطن الأرض وحده، إلى درجة أن في لغتنا أمثالاً تذكره. وعين ذي قار في جنوب العراق سمّيت بذلك لأن الماء كان يخرج منها مختلطاً بالقار، أي النفط. ولدينا على امتداد المنطقة العربية عشرات المواضع والمدن التي اشتُقّت أسماؤها منه، مثل القيارة بين بغداد والموصل، وقارة في القلمون بسورية، وقارة أخرى في البحرين، وقارة في حومة الجندل شمال الجزيرة العربية، وقارة جبيل وقارة الحبل، ومواضع متفرّقة تحمل أسماء القورية وقرة وقورين وقورية وقيروان، وكلّها جاءت أسماؤها من خروج النفط من أرضها. وما أكثر القارات العربية (من دون شدّة). ويروى أن المعتصم عيّن والياً على النفّاطات، وكان مسؤولاً عن حماية الأماكن التي يخرج فيها النفط، وعن استخراجه ونقله لاستخدامات الإضاءة والمنجنيقات.
بخفّة، أردت الاستعانة ببعض أمثال وأبيات شعر، لأجد مطعناً، ولو سخيفاً، في النظرة الأميركية المتعالية المتفاخرة، وأن أقول لصاحب الجملة: خسئت. ربّما استخرجتموه وكرّرتموه وصنعتموه ونقلتموه وخزّنتموه، هذا صحيح. أمّا اكتشفتموه؟ فهذه اسمح لي بها، نحن نعرفه قبل أن يوجد بلدكم بمئات السنين. جرير والفرزدق تراشقاه حين تهاجيا.
أردت التأكّد من قائل الجملة، فقد مرّت معي خلال حياتي منسوبةً لأشخاص كثر. كي أفقأ ليمونةً في عينه. ولأن أدوات البحث الحديثة التي صارت بين أيدينا، وأيدي من يقرأوننا، لم تعد تسمح لنا بإلقاء الكلام كيفما اتفق، واثقين من أننا سنجد من يصدّقنا، ويأخذ كلامنا حقائقَ مطلقة إذا كان فيه ما يثبت مجدّداً "حقارة" أميركا و"سفالة" من يحكمونها، و"حتمية" انهيارها كما كانت تفعل الصحافة العربية منذ الخمسينيّات، لا سيّما ذات "المود" العروبي بفروعه الناصرية والبعثية وسواها، أو تلك المفرطة في يسارها.
وجّهت أسئلة كثيرة ودقيقة للذكاء الاصطناعي، وكان في كلّ مرّة يفعل ما عليه، ثم ينفي أن تكون لكيسنجر، ثم لروجرز، ثم لترومان، ثم في الأدبيات السياسية الأميركية الموثّقة، وقد سألتُه عنها عقداً عقداً منذ تأسيس شركة أرامكو وحتى إعلان ترامب "قد ندير مضيق هرمز نحن والإيرانيون". وحين طلبتُ منه البحث في محاضر الكونغرس، قدّم لي أذكى إجابة تلقّيتُها منذ تعرّفت على الإنترنت منتصف التسعينيّات: "يمكنني يا ياروب أن أعدّ لك تقريراً مفصّلاً بكلّ عبارات السياسيين الأميركيين عن النفط العربي، لكن العبارة التي تبحث عنها غير موجودة في أي مصدر. والأرجح أنها عبارة مجازية، تعبّر عن النظرة الأميركية تجاه نفط منطقة الشرق الأوسط. لا يوجد أيُّ سياسي أميركي قال هذه الجملة العدائية. ربّما خطرت هذه الجملة لك أنت، لأن أفعالهم هكذا تماماً".
