عربي
منذ انطلاق الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران يوم 28 فبراير/شباط الماضي، تواجه مصر ما يشبه الزلزال الاقتصادي، وعاصفة جديدة من الـ "تسونامي المالي"، والمخاطر المفتوحة وبكل أشكالها، جيوسياسية وأمنية، وموجة تضخم وارتباك في الأسواق، وهشاشة في الموارد الخارجية، وضغوط معيشية وحياتية.
وأصبح اقتصاد مصر مجدداً في وجه عاصفة الصدمات الخارجية الناجمة عن تداعيات الحرب، وتعمقت أزماته بما فيها الفجوات التمويلية والتضخم وانتفاخ فاتورة الطاقة التي تجاوزت 21 مليار دولار في العام الماضي، بل تأثرت مصر وجميع الأنشطة الاقتصادية والخدمية بها بشدة من تداعيات الحرب الخطيرة، وكأنها أحد الأطراف الرئيسية الفاعلة التي تخوض الحرب مباشرة، أو دولة ينالها نصيب من صواريخ ومسيرات إيران كما جرى مع دول الخليج والعراق والأردن وإسرائيل والمصالح الأميركية في المنطقة.
ومع امتداد فترة الحرب واتساع رقعتها باتت الأجواء داخل مصر تعيد للذاكرة ما جرى في شهر مارس/آذار 2022 عقب اندلاع الحرب الروسية على أوكرانيا حين كادت الدولة أن تقع في المحظور وقتها وهو "التعثر المالي" والتوقف عن سداد الالتزامات الخارجية لولا الدعم الخليجي السخي وقتها والبالغة قيمته 12 مليار دولار وصفقة بيع رأس الحكمة للإمارات وبيع مجموعة من أصول الدولة.
أصبح اقتصاد مصر في وجه عاصفة الصدمات الخارجية الناجمة عن تداعيات الحرب، وتعمقت أزماته بما فيها فجوات التمويل والتضخم وانتفاخ فاتورة الطاقة التي تجاوزت 21 مليار دولار في 2025
قبيل انطلاق الحرب على إيران مباشرة بدأت التأثيرات عنيفة على الاقتصاد المصري، خروج سريع للأموال الساخنة، حيث هرب من مصر نحو 6.7 مليارات دولار من تلك الأموال منذ 19 فبراير/شباط 2026 وحتى يوم 11 مارس/آذار الجاري، نتيجة التوترات الجيوسياسية المتنامية والعنيفة. هذا الخروج السريع لتلك الأموال ضغط بشدة على الجنيه المصري الذي تراجع ليتجاوز سعر الدولار 52 جنيهاً. كما دفع البنك المركزي لزيادة سعر الفائدة على أذون الخزانة لمنع هروب المزيد من تلك الأموال والمحافظة على استقرار سوق الصرف، وهو ما يضغط بشدة على مالية الدولة ويعمق العجز في الموازنة العامة ويراكم أعباء الديون.
صاحب تلك الربكة في أسواق الصرف الأجنبي وأدوات الدين الحكومية مؤشرات عدة تدل على هشاشة الاقتصاد المصري وعدم قدرته على مواجهة الصدمات الخارجية العنيفة، وهو الأمر الذي تحدثت عنه وكالة فيتش العالمية للتصنيف الائتماني ومؤسسات مالية دولية وإقليمية أخرى، كما ظهر في التداعيات الاقتصادية المتلاحقة.
هذه الهشاشة بدت في مؤشرات عدة منها اندلاع أزمة وقود لأسباب عدة منها توقف ضخ الغاز الإسرائيلي لمصر، وتوقف بعض الشحنات القادمة من منطقة الخليج. زاد من تعقد المشهد تأثر مصر بشدة بصدمة أسواق الطاقة العالمية وقفزة أسعار النفط والغاز الطبيعي وإغلاق مضيق هرمز شريان الطاقة العالمي، وهو ما دعا حكومة مصطفى مدبولي إلى تحميل المواطن التكلفة المباشرة للحرب عبر زيادة أسعار الوقود والغاز في 10 مارس 2026، بنسب راوحت بين 14% و30%، وهي الزيادة الثالثة خلال عام، بل إن مصادر بدأت تتحدث عن زيادة أخرى في حال استمرار الحرب وقفزة سعر النفط.
كما لجأت الحكومة إلى إجراءات استثنائية لمواجهة الأزمة منها ترشيد استهلاك المواد البترولية والكهرباء وغلق المحال التجارية والمولات والمطاعم والمقاهي من الساعة التاسعة مساء، وإغلاق لوحات الإعلانات المضيئة على الطرق مع تخفيض إنارة الشوارع والميادين العامة، وهي الإجراءات التي من المتوقع أن تترك تأثيرات سلبية على أنشطة مهمة منها السياحة والتجارة، إضافة إلى إغلاق الحي الحكومي في العاصمة الإدارية الجديدة في السادسة مساء، ضمن خطة لتقليل استهلاك الكهرباء.
زاد من تعقد المشهد تأثر مصر بشدة بصدمة أسواق الطاقة العالمية وقفزة أسعار النفط والغاز الطبيعي وإغلاق مضيق هرمز
أيضاً وضعت حرب إيران مؤشرات الاقتصاد المصري الأخرى تحت الضغط حيث تأثر قطاع السياحة والاستثمارات الأجنبية المباشرة وحركة التجارة سلباً بالحرب. ومع استمرار الحرب وإغلاق مضيق هرمز تلقت قناة السويس ضربة جديدة تضاف إلى الضربة الناتجة عن حرب الإبادة ضد غزة التي دامت قرب العامين.
مجدداً، بات الاقتصاد المصري في وجه العاصفة، ومع تلك الحالة يتجدد الحديث عن ضرورة تحصين هذه الاقتصاد من الصدمات عبر إجراءات وخطوات حقيقية، لا مصطنعة، وليس عبر اغتراف المزيد من القروض الخارجية والداخلية، والبداية تكمن في الاهتمام بالقطاعات الإنتاجية من صناعة وزراعة وتكنولوجيا، والحد من الاعتماد على الخارج في معالجة الفجوات التمويلية، ووقف تدفق الأموال الساخنة، وتنويع مصادر الطاقة، وعدم الاعتماد على غاز العدو الذي أثبت أنه يساهم في تعميق الاضطرابات المحلية وليس مصدراً موثوقاً يمكن الاعتماد عليه.
لندرك جيداً أن صلابة الاقتصاد المصري لا تأتي عبر شهادات مشكوك في دقتها تصدر من وقت لأخر عن مؤسسات مالية دولية، ولا من إعلام يزيف الحقائق ويتحدث عن نجاحات غير مسبوقة لما يسمى برامج الإصلاح الاقتصادي، وتهاوي مصطنع للأسعار ومعدل التضخم، ولا تأتي من تزييف الواقع وتخدير المواطن وتحميله وحدة كل الأعباء، ولا من تحميل الأزمات الاقتصادية والمعيشية للصدمات الخارجية وزيادة السكان، لكن تأتي أولاً من علاج الأزمات بشكل حقيقي. وهذا أمر بات ملحاً أكثر من أي وقت مضى، خاصة أن قدرة المواطن ضعفت بشدة على تحمل كلفة فشل حكومي واضح للجميع في إدارة الملف الاقتصادي، وتهاوت قدرته الشرائية أمام تضخم جامح وأسعار سلع فوق الطاقة وتهاوٍ مستمر للعملة المحلية.
