الصحراء... فلسفة حياة
عربي
منذ ساعتين
مشاركة
تتجاوز الوحدة العضوية بين سكان الصحراء وبيئتهم حدود الترويض والانسجام، إلى التكيُّف والتأقلم، والعلاقة يحكمها التفكير الإبداعي، واختلاق الفرص واقتناصها. فعل وانفعال، وتأمل. فالسماء ليست شمساً حارقة فحسب عند من خبر استراتيجيات الأخذ والاتقاء، إنها عطاء، وطاقة للجسد بالقدر الذي يمكّنه من مقارعة قسوة الحياة حين السكون، وحين تموج الرمال وتصفع بلا رحمة.  وفي الليل، تكون الصحراء لوحة تأمّل، ومناجاة للبعيد، من هو أقرب من حبل الوريد. وهي استقراء لما وراء الغيوم والنجوم، ومجال مفتوح لرسم الدروب والاتجاهات في بحر أصفر لا متناهٍ تتخلله حجارة سوداء وشجيرات فقيرة، أو واحات غنّاء، وحيوات لا يراها إلا من يعيش هناك. تتجاوز الصحراء مفهومها الجغرافي لتصبح فلسفة حياةٍ متكاملة صنعت ملامح البدوي، وشكّلت وعيه بالوجود. بيئة صاغت الإنسان بصلابتها، وغرست فيه قيم الصبر والعطاء والكرم. الصحراء هي البيئة الأم التي أنشأت أجيالاً قادرة على التكيّف مع الشدائد، ومتصالحة مع الطبيعة، ومؤمنة بأن البقاء لا يتحقق إلا بالعمل والإرادة، فقد علّمت البدوي كيف يقرأ الكون من حوله، وكيف يتفاعل مع تفاصيل الطبيعة بمنطق الحكمة والتدبر. هي ليست إذاً مكاناً فحسب، بل منظومة قيم روحية واجتماعية وفكرية متكاملة. وليست كل الصحارى رمالاً وشمساً حارقة، إذ إن هناك صحارى باردة تغطيها الثلوج معظم العام. ما يعني أنّ الصحراء تشير إلى أمكنة تعاني قلة شديدة في هطل الأمطار، ارتفعت درجات حرارتها أو انخفضت. تقول الأرقام إنّ هناك 25 صحراء كبيرة على امتداد الكوكب، أكبرها صحراء القارة القطبية الجنوبية بمساحة تقترب من 14 مليون كيلومتر مربع، وتأتي الصحراء الكبرى في المرتبة الثانية (9 ملايين كيلومتر مربع)، وتغطي عشر دول أفريقية. أما الصحراء العربية، وهي شبه مدارية كذلك، فتغطي ثماني دول، وتبلغ مساحتها 2,3 مليون كيلومتر مربع.  تغطي الصحارى نحو 33% من مساحة اليابسة، ويسكنها نحو مليار شخص، يشكلون حضارات بشريّة أساسها الحركة والتنقل بحثاً عن الماء والكلأ. وبيوت البدو قابلة للفك والحمل، ولباسهم يتناسب مع بيئتهم الحارة والجافة والمتربة، ومتاعهم قليل، إلا أن يقينهم راسخ، فهم مهيؤون للبقاء في بيئة نراها فقيرة، ويرونها غنية، خبروا دروبها وتبدّل أحوالها. وإلى جانب التغيرات المناخية التي تتسارع، نجد المناطق الصحراويّة في بعض الدول مهددة بالتحوّل إلى أراضٍ زراعيّة بسبب تطور تقنيات الريّ، إذ أصبح بالإمكان استصلاحها. وهناك أيضاً حمى التعدين التي اجتاحت موائل البدو. بيد أن أكبر المشكلات هي هذا التوجه العالمي نحو إعادة توطينهم، الأمر الذي يهدد حضاراتهم بالاندثار. (متخصص في شؤون البيئة)

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية