النادي الثقافي السوداني... نازحون عالقون في بيروت بين حربين
عربي
منذ ساعة
مشاركة
تتقاطع قصص نازحين من جنسيات أفريقية متعددة في قلب العاصمة اللبنانية، وبينما تجمعهم مخاطر الحرب، تختلف تفاصيل حياتهم رغم تشابه مشاعرهم. نزح نحو ثمانين شخصاً إلى النادي الثقافي السوداني في منطقة الحمرا بالعاصمة اللبنانية بيروت، الذي تأسس في عام 1967، واحتضن على مدى عقود أفراح السودانيين وأتراحهم، قبل أن يتحول مع اندلاع الحرب الإسرائيلية على لبنان إلى مركز إيواء يستقبل من يلجأ إليه من السودانيين، ومن جنسيات أفريقية أخرى، ليتحول إلى مساحة آمنة تحميهم من الخطر والتشرد. يتكون النادي السوداني من بناء واسع ينتهي طرفه بمطبخ صغير، وعلى الجانبين غرف تقطنها نساء من جنسيات أفريقية عدة، من بينهن سودانيات مع أطفالهن. أما الرجال، فيشغلون الصالة الكبرى، حيث يجتمعون لمشاهدة التلفزيون والتسامر، قبل أن تتحول الصالة ليلاً إلى مكان للنوم، وتحظى شرفة المدخل الرئيسي بنصيبها من التجمعات المسائية. وتحاصر الحرب السودانيين في لبنان، حيث يجدون أنفسهم عالقين بين حرب في بلد الإقامة، وأخرى في وطنهم الأم، من دون إمكانية حقيقية للعودة، فلا توجد جهات دولية تتولى ترحيلهم طوعاً، ولا مناطق آمنة يمكنهم العودة إليها، خصوصاً أن معظمهم أمضى سنوات طويلة في لبنان، اضطر خلالها إلى النزوح مرات عدة، من الجنوب، ومن الضاحية الجنوبية لبيروت، مع ما يحمله ذلك من قلق، وخوف من خسارة مصادر رزقهم، فضلاً عن ظروف النزوح القاسية، وصعوبة الوصول إلى الخدمات الأساسية. وتتحمل الأمهات عادة أعباءً أكبر خلال النزوح. في غرفة كبيرة مشتركة، تجلس ديما (37 سنة) مع ابنتيها (16 و8 سنوات)، وهي هندية متزوجة من سوداني، وقدمت إلى لبنان قبل أكثر من عشرين عاماً، انتقلت خلالها بين بيروت وعرمون، إلى أن استقرت مع عائلتها في قرية شقرا في الجنوب، وهذه الحرب هي الثالثة التي تعيشها في لبنان منذ حرب عام 2006. تقول ديما: "كانت ليلة النزوح صعبة، ومع بداية القصف، خرجنا من منزلنا مشياً على الأقدام، وسرنا من شقرا إلى مدينة صور، نحو 15 كيلومتراً تقريباً، تحت أصوات القذائف، وبعد انتظار طويل، أقلتنا عائلة إلى مدينة صيدا، ثم وصلنا إلى بيروت في اليوم التالي. كانت تلك الليالي مرعبة، وتفوق في قسوتها الحرب الماضية. وصلنا إلى النادي السوداني حاملين بعض الأغراض البسيطة، والحياة هنا تختلف عما كانت عليه في بيتنا. يضم النادي أشخاصاً من مختلف الجنسيات الأفريقية، بعضهم نعرفهم من الحرب السابقة، وبعضهم نراهم للمرة الأولى، ورغم اختلاف الجنسيات، فإن التعايش قائم، لكن الاحتياجات كثيرة". وتضيف: "يقدمون لنا في النادي الطعام والشراب المتوفر، وليست هناك أية مساعدات إضافية. بينما نعاني نقصاً في احتياجات النساء، مثل الملابس والأغراض الشخصية، كذلك هناك صعوبة في طلب هذه الاحتياجات، ولا سيما عندما تضطر النساء إلى طلبها عبر وسطاء رجال، أما الأطفال فجميعهم بحاجة إلى خطة تعليمية وترفيهية كي لا يشعروا بالملل، ومساعدتهم على تجاوز هذه المرحلة. رغم شعوري النسبي بالأمان في بيروت مقارنة بما كان عليه الأمر في الجنوب، إلا أن الغارات الأخيرة جعلتني أشعر بأن الخطر لا يزال حاضراً، ويهدد المكان الذي نزحت إليه". للآباء أيضاً حكايات داخل النادي السوداني، تشمل القلق على أطفالهم وأسرهم في ظل النزوح القاسي. من بين النازحين، السوداني هارون سعيد (51 سنة)، الذي قدم إلى لبنان قبل 26 عاماً للعمل، ثم استقر، وتزوج امرأة تحمل جنسية بنغلادش. عمل هارون في الزراعة، وفي الديكورات، واستقر في الجنوب اللبناني، وتحديداً بلدة دير كيفا، التي نزح منها مع زوجته وطفليه عبد الرحيم (10 سنوات) وزهراء (4 سنوات) نحو بيروت. يستعيد تفاصيل ليلة النزوح، قائلاً لـ"العربي الجديد": "بدأ القصف في الساعة الثانية بعد منتصف الليل، لكنني لم أستطع المغادرة مع عائلتي ليلاً بسبب البرد، وانتظرت حتى السادسة صباحاً، وعندها انطلقت بهم عبر الدراجة النارية. استمرت الرحلة لساعات، ووصلنا في المساء إلى بيروت، حيث توجهت نحو كنيسة في الأشرفية بحثاً عن مأوى، لكن لم يكن هناك مكان متاح، فجئنا إلى النادي السوداني". يتابع هارون: "تقتصر المساعدات في النادي على الطعام، ولدينا مكان للنوم، لكننا لم نتلقَ منذ وصولنا ملابس أو مستلزمات أساسية. الصعوبات تكمن أيضاً في الوضع المعيشي القاسي في ظل غياب مصدر دخل، ومسؤوليتي تجاه أطفالي. أكثر ما يقلقني اليوم مستقبل الأطفال، وخشيتي من طول النزوح من دون أفق واضح، خصوصاً بعد أن فقدت عملي وكل ما بنيته خلال سنوات طويلة في لبنان". من جانبه، يوضح رئيس النادي السوداني، كمال محمود، أن النادي تحول من فضاء اجتماعي إلى مركز إيواء فور اندلاع الحرب، واستقبل نازحين من الجنوب والضاحية الجنوبية، من السودانيين وجنسيات أفريقية أخرى، خصوصاً أولئك المرتبطين بعائلات سودانية، في محاولة لتأمين بيئة قريبة من عاداتهم وتقاليدهم. ويضيف محمود لـ"العربي الجديد: "المساعدات المتوفرة محدودة، وتعتمد أساساً على الجهود الفردية والتكافل بين الجالية، إلى جانب دعم من بعض الجمعيات، من بينها جمعية إثيوبية كندية قدّمت مساعدات عينية وغذائية. يقدّم النادي وجبات طعام يومية، خصوصاً الإفطار والعشاء، مع تأمين مكان للنوم رغم محدودية المساحة، ورغم نقص الدعم". تتشابه قصص النازحين في المكان، فهم يتحدثون عن هموم الحرب، وعن صعوبات النزوح. يقيم السوداني يوسف محمد (39 سنة) في لبنان منذ عام 2009، ويعمل حارس بناية في الضاحية الجنوبية، وهو غير متزوج. ويصف ليلة الحرب الأولى بأنها كانت "جحيماً"، ويقول: "بدأ القصف بشكل مفاجئ وعنيف، خصوصاً في منطقة بئر العبد حيث كنت أقيم، ومع تصاعد القصف، اضطررت إلى المغادرة، ونمت في الشارع لعدة ليالٍ مع ابن أختي، ثم قدمتُ إلى النادي". ويضيف: "تجربة النزوح صعبة، والنادي مكتظّ، ومساحته ضيقة، والمرافق الصحية صعبة الاستخدام، بينما المساعدات تقتصر على الطعام ومكان النوم، رغم كل ذلك نحاول جميعاً التأقلم مع هذه الظروف القاسية. أكثر ما أتمناه أن تتوقف الحرب، وأن أعود إلى الضاحية، فأنا أحب أهلها كثيراً، وأعتبرهم عائلتي، فقد وقفوا إلى جانبي دائماً، وأشعر بانتماء كامل إليهم. بطبيعتي لا أخشى شيئاً، واعتدت تحمّل مختلف الظروف السيئة، لكن الحرب أكبر من قدرة أي شخص على التحمّل، وأملي أن تنتهي هذه المعاناة قريباً، وأن يعود جميع النازحين إلى بيوتهم بأمان".

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية