عربي
ليست مطماطة مجرّد قرية جبلية في تونس، إنّها حكاية سكان اختاروا الاحتماء في جوف الأرض، وبنوا بيوتاً داخل صخور لتجنّب لهيب حرارة الصيف المرتفعة وبرد الشتاء القارس.
في بلدة مطماطة بمحافظة قابس التونسية حيث تمتد الهضاب الصخرية بلونها الترابي الداكن، لا تعلو البيوت فوق السطح كما في مدن أخرى، بل تحفر في عمق الأرض، وتتخفى داخل مغاور منحوتة بعناية في قلب الجبال. تقع مطماطة في منطقة ذات طابع جبلي جاف، حيث الحرارة لاهبة في الصيف، والبرد قارس في الشتاء. وهذه الظروف المناخية الصعبة دفعت السكان منذ قرون إلى ابتكار نمط سكن يتلاءم مع الطبيعة القاسية، وكانت المغاور الجبلية الحل الأذكى، وحفروا بيوتاً تحت سطح الأرض تحافظ على درجة حرارة معتدلة طوال السنة، فلا تلتهب بحرارة الشمس، ولا تتجمد ببرد الشتاء.
ليست زيارة مطماطة مجرد رحلة إلى قرية جبلية، بل عودة إلى شكل بدائي من التعايش المتناغم مع الظروف الطبيعية القاسية. للوهلة الأولى تبدو هذه المغاور للزائر كأنها بقايا من زمن مضى، لكنها في الحقيقة درس حيّ في الاستدامة والبساطة والانسجام البيئي. ولا يزال العديد من سكان مطماطة يحافظون على هذه الطريقة في السكن.
تقول فاطمة التي تعيش في أحد المساكن المغاور لـ"العربي الجديد": "تُشتهر مطماطة بطابع سكني فريد، وهو حفر الأرض والهضاب لبناء مساكن، احتمى فيها أجدادنا من الظروف المناخية، وحتى من الغزوات. والعديد من تلك البيوت متوارثة، واختار الورثة ترميمها والحفاظ عليها جيلاً بعد جيل للحفاظ على هوية المكان وتفرّده. ورغم أن غالبية سكان المنطقة انتقلوا للعيش في تجمعات سكنية جديدة لا يزالون يحافظون على بيوتهم التي يفوق عمرها 200 عام".
يبدو المشهد غريباً للزائر من أعلى الهضاب. فناء دائري محفور في الأرض تتفرّع منه غرف جانبية كأنّها تجاويف خلية نحل. لا نوافذ تطل على الخارج، بل أبواب منخفضة تقود إلى غرف منحوتة في الصخر يكسو جدرانها طلاء أبيض بسيط. حين يدخل زائر أحد المساكن يشعر أنه يعبر الزمن. يمرّ عبر رواق طويل يقوده إلى الفناء الداخلي الذي يمثل قلب البيت ويسمى في تلك المنطقة بـ"الحوش"، حيث تجتمع العائلة، وتقام المناسبات والأفراح، وتُجفّف الحبوب تحت الشمس. وحول هذا الفناء تُحفر غرف للنوم واستقبال الضيوف وتخزين الأغذية والطبخ. كل شيء منحوت يدوياً بأدوات بسيطة في تربة طينية صلبة يسهل تشكيلها نسبياً، لكنها متماسكة بما يكفي كي تحافظ على استقرار البناء.
تعزل الجدران الترابية السميكة الحرارة، ويمنح السقف المقوَّس صلابة طبيعية تمنع الانهيار. لا أعمدة ولا خرسانة، فقط اعتماد كامل على خصائص الأرض. هذا النمط المعماري لم يسعَ من خلاله السكان لتغيير الطبيعة، بل للتأقلم معها. ويرجع تاريخ هذه المساكن إلى قرون طويلة، ويُعتقد أن سكان المنطقة من الأمازيغ طوروا هذا النمط المعيشي ليكون وسيلة دفاعية أيضاً، فالسكن تحت الأرض يجعل البيوت أقل عرضة للغزوات قديماً، ويصعّب رصدها من بعيد. وهكذا تحولت الحاجة إلى حيلة معمارية ذكية تجمع بين الأمان والراحة المناخية.
ورغم تعاقب الأجيال، استمر هذا التقليد حتى العقود الأخيرة حين بدأت مظاهر الحداثة تزحف إلى المنطقة، إذ شُيّدت بيوت إسمنتية حديثة على أطراف القرية، وانتقل بعض السكان إليها بحثاً عن وسائل الراحة العصرية. لكنّ كثيرين لا يزالون يتمسكون بمغاورهم للسكن الدائم أو لكونه موروثاً عائلياً لا يمكن التفريط فيه.
ويقول عبد الكريم، أحد سكان هذه البيوت لـ"العربي الجديد": "كان يسكن آلاف في المنطقة قبل أن تشهد في نهاية الستينيات من القرن الماضي فيضانات ملأت البيوت والمغاور، ما دفع السكان إلى هجرها وبناء بيوت حديثة خوفاً من أن تتكرر الكارثة، لكنهم ظلوا محافظين على إرثهم وتمسكوا حتى بالأثاث القديم فيها والتجهيزات التي يفوق عمرها 200 عام". يتابع: "جمعت في فناء منزلي قطعاً وبقايا للحرب العالمية الثانية، وتحتوي بيوت النوم على مفارش كانت تستخدم قديماً، وحتى أوانٍ فخارية ونحاسية ووسائل بدائية كانت تستعمل لحرث الأرض سابقاً، إضافة إلى أوانٍ ووسائل طبخ قديمة وجرار فخارية تحفظ الزيت والحبوب ومؤونة سنة. الضوء يدخل من فتحة الفناء العلوية، فيرسم دوائر مضيئة على الجدران الطينية. كل شيء فيها يعيد الزائر إلى الستينيات والسبعينيات".
وزادت شهرة مطماطة عالمياً بعدما اختارها مخرجون عالميون موقعاً لتصوير أعمال سينمائية، أشهرها فيلم "ستار وورز"، حيث استُخدمت بعض المساكن الجوفية لتجسيد مشاهد من كوكب خيالي. ومنذ ذلك الحين صارت مطماطة محطة سياحية يقصدها الزوار من مختلف أنحاء العالم، لاكتشاف هذا النمط المعماري الفريد. وقد تحوّلت بعض المغاور إلى بيوت ضيافة وفنادق تقليدية تمنح السياح فرصة عيش تجربة النوم في غرفة محفورة بالصخر، وتناول طعام محلي في فناء دائري تحيط به جدران ترابية، لذا وفرت السياحة مورد رزق إضافي للسكان وساهمت في تنشيط المنطقة طوال السنة.
ويتمسك أغلب أصحاب هذه المغاور بإرثهم، لأنها ليست فقط مساكن، بل جزء من الهوية. وتحاول بعض العائلات ترميم المغاور الأصلية مع إضافة تجهيزات حديثة تحافظ على الشكل التقليدي.

أخبار ذات صلة.
ترامب: أنهيت 8 حروب وننتصر الآن على إيران
العين الإخبارية
منذ 22 دقيقة