عربي
تتحرّك بعض "النخب" خارج التاريخ في فضاء مُعتم من الوعي، حيث تتقاطع المصالح الضيقة مع خوف عميق من الحرية، فتتشكّل منظومة فكرية تبرّر الهيمنة وتُضفي على العنف معنى زائفًا. هذه النُّخب لا تعيش زمنها وإنما تقيم في ظلال قوى إمبريالية كبرى (فرنسا، وإنكلترا، والولايات المتحدة الأميركية، وإسرائيل...) ترى في الشعوب مجرّد أدوات، وفي الأوطان خرائط قابلة لإعادة الرسم وفق حسابات القوّة. يكتسي خطابها لغة "عقلانية" في ظاهره، بينما يخفي في جوهره انحيازًا صريحًا إلى منطق الغلبة، ويحوّل القتل إلى ضرورة، والقمع إلى استقرار، والتبعية إلى واقعية سياسية.
تنبني هذه الذهنية على قطيعة مع التجربة التاريخية الحيّة، لأنّ التاريخ في جوهره حركة مستمرّة نحو الاعتراف بالإنسان، نحو توسيع دائرة الكرامة، نحو كسر احتكار القوّة. لكن حينما تنفصل "النخب" عن هذا المسار، تفقد قدرتها على إدراك التحوّلات، فتستعير مفاهيم جاهزة من مراكز الهيمنة، وتُعيد إنتاجها داخل مجتمعاتها من دون مُساءلة. في هذا الصدد، يتحوّل الفكر إلى صدى ويتراجع دوره النقدي، فيغدو أداة تزيين للسلطة بدل أن يكون قوّة مُساءلة لها.
في كتابات المفكّر المناضل فرانز فانون تتجلّى صورة هذا الاغتراب بوضوح، حيث يتحدّث عن النُّخب التي تتماهى مع المُستعمِر، وتُعيد إنتاج منطقه داخل البنية الاجتماعية بعد رحيله. هذه النخب حسب فانون، تفقد ارتباطها بالناس، وتعيش في عزلة رمزية تجعلها ترى العالم بعين الآخر، وتدافع عن سياساته حتى حين تتعارض مع مصالح شعوبها. هذا التحليل يكشف عن بنية نفسية معقّدة، حيث يتحوّل الإعجاب بالقوّة إلى خضوع، ويتحوّل الخضوع إلى خطاب مبرّر.
لا يمكن التوفيق بين كرامة الإنسان وبين تبرير قتله أو إخضاعه تحت أي ذريعة
تسعى هذه النخب لإضفاء طابع أخلاقي على العنف، فتتحدّث عن "حماية الاستقرار" و"مكافحة الفوضى" و"نشر القيم" و"المصلحة الوطنية"...، بينما تُغفل حقيقة أنّ هذا الخطاب يخفي وراءه مصالح اقتصادية وجيوسياسية. في هذا الإطار، يصبح الإنسان رقماً في معادلة، وتتحوّل المآسي والقتل المُمنهج إلى أضرار جانبية، وتُختزل الشعوب في توصيفات تختزل إنسانيتها. هذا النمط من التفكير يجد جذوره في فلسفات القوّة التي ترى في التاريخ ساحة صراع بلا ضوابط، حيث يحقّ للأقوى أن يفرض إرادته من دون اعتبار للقيم.
في المقابل، يقدّم إيمانويل كانط تصوّرًا أخلاقيًا يضع الإنسان في مركز الفعل، حيث يُعامل كغاية في ذاته لا كوسيلة. هذا المبدأ يكشف هشاشة الخطاب الذي يبرّر القمع، إذ لا يمكن التوفيق بين كرامة الإنسان وتبرير قتله أو إخضاعه تحت أيّ ذريعة. ومع ذلك، تواصل تلك النخب إعادة إنتاج خطاب يلتف على هذه القاعدة الأخلاقية عبر تفريغها من مضمونها، وتحويلها إلى شعارات فارغة.
يتغذى هذا الانفصال عن التاريخ على بنية تعليمية وإعلامية تُعيد تشكيل الوعي وفق سرديات مُهيمنة. تُقدَّم الإمبريالية في صورة مشروع حضاري، وتُصوَّر المقاومة كفعل عبثي، ويُختزل الصراع في ثنائيات سطحية تحجب تعقيد الواقع. في هذا المناخ، تنشأ أجيال تتبنى رؤية منقوصة للعالم، وتفقد القدرة على التمييز بين القوّة والحقّ، بين الشرعية والهيمنة. وهنا يظهر دور "النخب الديماغوجية" في تكريس هذا الوضع، حيث تتحوّل إلى وسيط بين السلطة والمجتمع، يُعيد إنتاج خطاب السيطرة بلغة محلية وشعبوية ترفع شعار "الوطنية" المزيفة.
كلّ لحظة قمع تولّد مقاومة، وكلّ محاولة لإسكات الصوت الإنساني تفتح أفقًا جديدًا للاحتجاج
علاوة على ذلك، يبرز التناقض حين تواجه هذه النخب لحظات تاريخية حاسمة، حيث تنكشف حدود خطابها وزيفه. فالتاريخ لا يقبل الجمود ولا يسمح باستمرار التزييف إلى ما لا نهاية. كلّ لحظة قمع تولّد مقاومة، وكلّ محاولة لإسكات الصوت الإنساني تفتح أفقًا جديدًا للاحتجاج. في هذه المراحل التاريخية المفصلية، تتراجع قدرة النخب على التحكّم في السرد، وتظهر أصوات بديلة تعبّر عن معاناة الناس وتطلّعاتهم. هنا يتجلّى الفرق بين من يعيش التاريخ ومن يقف خارجه، بين من يشارك في صنعه ومن يكتفي بتبرير ما يُفرض عليه.
يتطلّب الخروج من هذا المأزق إعادة بناء الوعي على أسس نقدية، تستعيد العلاقة مع الواقع ومع التجربة الإنسانية. كذلك يحتاج الفكر إلى استعادة استقلاله، وإلى التحرّر من هيمنة النماذج الجاهزة، وإلى الانخراط في مساءلة جذرية للمفاهيم التي تحكم الخطاب العام. في هذا المسار، تبرز أهمية استعادة صوت الإنسان بكونه مرجعية، حيث تُقاس السياسات بمدى احترامها للكرامة، لا بمدى توافقها مع مصالح القوّة.
في الأخير، إن النخب التي تنحاز إلى القمع تفقد مشروعيتها التاريخية، مهما امتلكت من أدوات التأثير. حيث إنّ سجل التاريخ يحتفظ في ذاكرته بمن وقف مع الإنسان، ويكشف مع مرور الزمن زيف الخطابات التي برّرت الظلم. في هذا الأفق، يصبح السؤال الفلسفي ضرورة: أيّ معنى للمعرفة حين تنفصل عن العدالة؟ وأيّ قيمة للفكر حين يتحوّل إلى أداة في يد القوّة؟ هذه الأسئلة تُعيد توجيه البوصلة نحو جوهر الفعل الإنساني، حيث يتقاطع الفكر مع الأخلاق، ويتحوّل الوعي إلى قوّة تحرّر، لا إلى قيد جديد.