ماذا يعني تخويل "الحشد الشعبي" مواجهة الضربات الجوية في العراق؟
عربي
منذ ساعة
مشاركة
وجدت الحكومة العراقية نفسها أمام اختبار سياسي وأمني مزدوج، بعد تصاعد الضربات الجوية التي استهدفت مواقع تابعة لـ"الحشد الشعبي" في مدن ومحافظات مختلفة، وسقوط العشرات من القتلى والجرحى، بينهم قيادات ميدانية، في سياق اتساع المواجهة الإقليمية المرتبطة بالحرب الدائرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى.  ومع تزايد الهجمات وتكرارها، أعلن المجلس الوزاري للأمن الوطني العراقي تخويل "الحشد الشعبي"، والأجهزة الأمنية العمل بمبدأ "حق الرد والدفاع عن النفس" ضد أي اعتداءات جوية تستهدف مقارها، في خطوة أثارت جدلاً واسعاً حول أهدافها الحقيقية وحدودها العسكرية والسياسية. هذا القرار لا يمكن قراءته بوصفه إجراءً أمنياً صرفاً، بل يمثل تحولاً سياسياً في طريقة إدارة بغداد لأزمة السيادة العراقية، وخصوصاً بعد غارات دامية أدت إلى مقتل ما لا يقل عن 15 عنصراً من الحشد الشعبي في محافظة الأنبار، في واحدة من أخطر الضربات التي شهدها العراق منذ بداية التصعيد الإقليمي الأخير، والهجوم الذي طاول موقعاً للجيش، وأدى إلى مقتل 7 عسكريين عراقيين وإصابة 13 آخرين.  ويطرح الإعلان الحكومي جملة من الأسئلة الجوهرية التي تتجاوز الجانب العسكري المباشر، لتلامس طبيعة التوازنات الداخلية في العراق وعلاقاته الخارجية، وحدود قدرة الدولة على التحكم بمسار التصعيد. فهل يمثل التخويل تحولاً فعلياً نحو الرد العسكري، أم أنه رسالة سياسية لاحتواء غضب الفصائل المسلحة التي تصاعدت انتقاداتها للحكومة بسبب استمرار الضربات؟ وهل يعني القرار عملياً انتهاء مسار التهدئة والمفاوضات غير المعلنة مع الأطراف الدولية؟ والأهم: هل تمتلك القوات العراقية والحشد الشعبي القدرة العسكرية الفعلية للتصدي لهجمات جوية متطورة تنفذها قوى تمتلك تفوقاً جوياً كاملاً؟ سياسياً، جاء القرار في ظل ضغط داخلي متزايد على حكومة رئيس الوزراء محمد شياع السوداني، التي تواجه معادلة شديدة الحساسية: الحفاظ على علاقاتها الأمنية مع واشنطن من جهة، واحتواء القوى المسلحة القريبة من إيران داخل النظام السياسي من جهة أخرى. وتشير مصادر سياسية مختلفة إلى أن منح "حق الرد" جاء بعد مطالبات من قادة الحشد الشعبي بضرورة اتخاذ موقف رسمي تجاه ما وصفوه بانتهاكات متكررة للسيادة العراقية، ما جعل القرار يفسر لدى بعض المراقبين بأنه خطوة لامتصاص الاحتقان الداخلي أكثر من كونه إعلان دخول مواجهة عسكرية مفتوحة.  ويقول المختص في الشؤون العسكرية سيف رعد، لـ"العربي الجديد"، إن "التوجيه الأخير للحكومة يعتبر خطوة سياسية رمزية مزدوجة المعنى، فيها جانب إيجابي يعكس محاولة الحكومة العراقية تأكيد سيادتها بعد سلسلة من الغارات الجوية على مقرات تابعة لهيئة الحشد الشعبي. لذا، إن منح حق الدفاع عن النفس يقدم على أنه إجراء دستوري يحمي القوات الأمنية ككل ويرضي القاعدة الشعبية وعوائل الضحايا دون أن تبدو الحكومة العراقية شبه عاجزة وهي في موقف المتفرج".  وأضاف: "أما الجانب السلبي، فهو أن هذا التوجيه يفتح باباً لرد أميركي بشكل أكبر مما يؤدي إلى توسعة العمليات والأهداف. لذا، أعتبره في وجهة نظري وأنا متابع للملف الأمني، محاولة للتوازن بين الداخل والخارج في سياق حرب إقليمية (أميركية-إسرائيلية ضد إيران) لكن هذا التوازن يحمل مخاطر تحويل العراق إلى ساحة حرب متقدمة ومفتوحة". وأضاف أنه "بلا شك أي محاولة للرد على الهجمات ستقابلها هجمات بشكل أكبر مع زيادة في عدد الغارات وتوسيع نطاقها من مقار عسكرية إلى قيادات أو بنى تحتية، في وجهة نظري أن الرد يرفع منسوب المخاطر بنسبة عالية من 70-80% واحتمال تصعيد أكبر. الاستراتيجية المثلى للتعامل مع الوضع الحالي، زيادة الضغط الدبلوماسي مع تقديم شكوى لمجلس الأمن بدلاً من الرد العسكري المباشر". وأكد أن "الحشد لديه القدرة جزئياً، لكنها غير كافية لمواجهة مباشرة مع الطيران الحربي والتوجيه بالرد يحمل بشكل كبير طابع حفظ ماء الوجه السياسي للحكومة. لذلك، تخويل الأجهزة الأمنية بالرد هو محاولة لإظهار حالة الرفض للانتهاكات المتكررة، لكنه لا يغير شيئاً من واقع التوازن العسكري والفرق بين القوات المهاجمة والمدافعة". وختم المختص في الشؤون العسكرية قوله: "بالنتيجة، أعتقد أن التوجيه خطوة تكتيكية مفهومة، لكنها استراتيجياً محفوفة بالمخاطر، لأنها تحوّل مشكلة سيادية إلى مشكلة عسكرية مفتوحة".  الخبير في الشؤون السياسية العراقية، كاظم ياور، يؤكد لـ"العربي الجديد"، أن خطوة إعلان الحكومة تخويل "الحشد الشعبي"، والقوات الأمنية الأخرى، بحق الرد على الغارات التي تستهدفها، تحمل "رسائل عديدة، منها في إطار التعبئة النفسية والدفاع عن النفس"، مبيناً أنه "يمكن قراءة رسالة متعددة الاتجاهات منها للداخل العراق. أرادت الحكومة أن تظهر نفسها بأنها لا تقبل باستهداف قواتها وتحافظ على السيادة، خصوصاً أن التوجيه أتى بعد استهداف عناصر كثيرة من الحشد الشعبي، وأخرى تُقرأ على أنه موجه للفصائل لضبط الإيقاع وليس إطلاقه بالكامل، بمعنى أن الرد مسموح، ولكن ضمن حدود، أي إن الحكومة تتصرف في كيفية احتواء وضبط تحركات وأعمال هذه الفصائل بعيداً عن المنظومة الحكومية، فالحكومة تحاول استثمار هذا الحدث في السيطرة عليهم بطريقة غير مباشرة".  وأضاف أنه "رسالة للخارج؛ إلى الولايات المتحدة وإسرائيل على وجه الخصوص، في مضمون الردع أن العراق لن يكون ساحة مفتوحة بلا ردّ". لكنّه اعتبر أنّ "الرسالة في بعدها النظري، ممكن أن يكون لها جدوى سياسي وأمني، غير أنه في بعدها العملي والتطبيقي ستنتج وتسبب نتائج عكسية على الحكومة العراقية عموماً، وعلى هيئة الحشد الشعبي والفصائل التي تعتبر نفسها مع الحشد جسدين فيهما روح واحدة روح الولاية والعقيدة". وتابع ياور: "الحكومة العراقية ستدخل في أزمة مزدوجة، داخلياً ستتخذ الفصائل الحشدية هذا التوجه الحكومي ذريعة بتوسعة نشاطها في استهداف أهداف مباشر لمصالح الأميركية كالقواعد العسكرية أو قوافل الإمداد اللوجستية وما شابه ذلك، وهذه أصبحت نتائجها قريبة من الصفر، نتيجة أن واشنطن سحبت قواتها في الغالب من العراق وسورية". لذا هناك خطورة من استهداف مصالح أميركية وحلفاء للولايات المتحدة بالعراق، ما سيكون وفقاً للباحث "خطراً ومشاكل كبيرة للعراق سياسياً وأمنياً". وأضاف: "المعروف عملياً لا توجد لدى الحشد الشعبي إمكانات ردع الطائرات والمسيَّرات، كذلك فإن الجيش العراقي لا يملكها، فالغالب ستكون الردود على القواعد الأميركية في كردستان العراق وسورية، وهو ما يرفع احتمالية أن تقوم الولايات المتحدة وإسرائيل بردود أكثر إضراراً بمصالح الدولة العراقية".

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية