من يحمي آثار لبنان وثقافته من نيران الحروب العدوانية؟
عربي
منذ ساعتين
مشاركة
مع تصاعد العدوان الذي تشنّه إسرائيل على لبنان منذ الثاني من شهر مارس/ آذار الجاري، تواجه الآثار والبنية الثقافية تهديداً يتجاوز حدود الدمار المادي، ليطاول الممتلكات والآثار الثقافية. فالقصف المتكرر في مناطق الجنوب والبقاع، ولا سيما في محيط مدينتي صور وبعلبك، ألحق أضراراً مباشرة بمواقع أثرية ومبانٍ ثقافية ومتاحف محلية، ما جعل مهمّة الحفاظ على هذا الإرث أكثر تعقيداً وصعبة الاحتواء في ظل حرب مفتوحة. تفيد وزارة الثقافة اللبنانية بأن مواقع أثرية عديدة لا تزال تحت خطر الاستهداف. ففي صور، أدى قصف إسرائيلي قرب موقع البص الأثري المدرج في قائمة التراث العالمي إلى تضرّر البنية التحتية الحديثة المحيطة به، بما في ذلك متحف لم يُفتتح بالكامل بعد. وطاولت الخسائر أيضاً قطاع المكتبات؛ فوفق تقديرات رسمية، تضررت نحو 11 مكتبة عامة في أنحاء مختلفة من لبنان، بينها ثلاث دُمّرت بالكامل، سواء نتيجة القصف المباشر أو بفعل النزوح الذي أدى إلى تعطيل الخدمات وإغلاق المرافق.  في هذا السياق، يقول المدير العام للآثار في وزارة الثقافة، سركيس خوري، لـ"العربي الجديد"، إن الحرب القائمة لا تحمل خصوصية في تأثيرها على التراث اللبناني، فهي امتداد لما يجري منذ أكثر من سنتين، وأفاد بأن "الآثار اللبنانية كانت بالفعل عرضة للاعتداء حتى خلال فترات وقف إطلاق النار، ما وضع تراثنا المادي واللامادي أمام استنزاف يومي". يضيف أن أكثر من 40 بلدة في الجنوب والبقاع تم محوها عن الخريطة، بما تضمه من آثار تعود إلى عصور مختلفة. ويصف ما يجري اليوم بأنه إبادة تراثية وبيئية تتوازى مع القتل الممنهج. ويوضح خوري أن مواقع بارزة في صور وبعلبك، المدرَجَتين في قائمة التراث العالمي لليونسكو، تضرّرت بشكل شديد، إلى جانب مواقع أُخرى على اللائحة التمهيدية مثل قلعة الشقيف وأرنون وتبنين، فقد تعرّضت بعض هذه المواقع لتفجيرات متعمّدة، كما في حالة قلعة شمع التي فُجّرت من داخلها بعبوات ناسفة. ويرى أن هذه الوقائع تشير إلى أن الحرب ليست عسكرية فقط، بل تحمل أبعادا ثقافية تستهدف هوية المكان في لبنان. إبادة تراثية وبيئية تتوازى مع القتل الممنهج للناس في مواجهة هذا الواقع، اعتمدت وزارة الثقافة اللبنانية، وفق خوري، استراتيجية مزدوجة قانونية ودبلوماسية، شملت التواصل مع منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو) لتفعيل آليات الحماية الدولية. كما عملت المديرية العامة للآثار خلال السنوات الماضية على تطبيق البروتوكول الثاني لاتفاقية لاهاي لعام 1954، ما أتاح إدخال 34 موقعاً أثرياً إلى قائمة الحماية المعزّزة. لكنه يقرّ، في الوقت نفسه، بأن هذه الإجراءات لا تمنع الاستهداف فعلياً، في ظلّ عدم التزام الطرف الآخر بالاتفاقيات الدولية. وأضاف أن الجهود الميدانية شملت نقل قطع أثرية إلى أماكن آمنة، والتعاون مع المجتمع الأهلي والجمعيات لتأمين أكبر قدر ممكن من الحماية، مؤكداً أن العمل يتم بالتعاون مع شركاء محليين ودوليين، من بينهم اليونسكو والجيش اللبناني، الذي يساهم بهذه المهمّة عبر وحدة خاصة لحماية الممتلكات الثقافية. كذلك تواصلت "العربي الجديد" مع المؤرخ والباحث في الجامعة الأميركية ببيروت، باسم فليفل، الذي يرى أن ما يجري اليوم لا يمكن فصله عن سياق أوسع من تراجع الاهتمام بالإرث التاريخي، على المستويين، الرسمي والشعبي، معتبراً أن الإجراءات الوقائية، مثل استخدام "الدروع الزرقاء"، تبقى في جوهرها رمزية أكثر مما هي فعّالة، خصوصاً في ظل تهديدات لا تميّز بين الإنسان والحجر. وأوضح فليفل أن تدمير التراث في سياقات العدوان "لا يكون دائماً نتيجة عرضية، بل يرتبط أحياناً بصراع على السردية والهوية"، وأن بعض الحقب الحضارية تُمنح "قيمة عالمية" أكبر من غيرها، فيما يُهمَّش الإرث العربي أو الإسلامي، سواء بشكل غير مباشر أو متعمّد. ويلفت إلى أن الخطر الحالي يتضاعف نتيجة تداخل التهديد الخارجي مع هشاشة داخلية سابقة، تمثلت في التعدّيات والتهريب وضعف الوعي. الدروع الزرقاء إجراء وقائي رمزي أمام التدمير الممنهج ويرى فليفل أن التعامل مع هذا الواقع يتطلب مقاربة متكاملة تجمع بين الدولة والمجتمع المحلي والدعم الدولي. وقال إن التجارب أخيراً، خصوصاً بعد انفجار مرفأ بيروت عام 2020، أظهرت أن إشراك المجتمع المحلي يمكن أن يكون عنصراً حاسماً في الحماية والترميم. كما شدّد على أهمية التوثيق الرقمي، معتبراً أنه "خط الدفاع الأساسي في حال تعذّرت الحماية الميدانية، لأنه يضمن حفظ الذاكرة وإمكانية إعادة الإعمار". وفي سياق متصل، يقول مدير سلسلة مكتبات "السبيل"، أنطوان بولاد، لـ"العربي الجديد"، إن الأضرار التي لحقت بقطاع المكتبات ليست مادية فقط بقدر ما هي معنوية ووظيفية أيضاً، موضحاً أن الكثير منها أُغلق بدافع حماية الزوار، رغم سلامتها من الناحية الفيزيائية. ويضيف أن هذا الإغلاق يحدّ من وصول الناس إلى الكتاب ويؤثر على استمرارية النشاط الثقافي. ويفيد بولاد بأن "السبيل" من المكتبات الـ12 التي ستتعاون مع وزارة الثقافة في خطتها المُعلن عنها في توجيه برامج تعليمية للأطفال النازحين، في محاولة للتكيّف مع الظروف، من خلال توجيه القرّاء إلى فروع أُخرى لا تزال تعمل"، إلى جانب إطلاق مبادرات ميدانية تستهدف الأطفال في مراكز النزوح نفسها، عبر برامج قراءة تفاعلية باللغات العربية والإنكليزية والفرنسية.  ويوضح أن هذه البرامج تعتمد على السرد القصصي بدل الأساليب التعليمية التقليدية، بهدف دعم الأطفال نفسياً وتعليمياً في الظروف الحالية. ورغم هذه الجهود، يقرّ بولاد بوجود فجوة كبيرة في التنسيق والدعم. مشيراً إلى أن غياب المبادرات الواسعة من دور النشر والجهات المعنية يحدّ من تأثير هذه الجهود، ما يستدعي، برأيه، إطاراً أكثر تنظيماً يضمن تكامل الأدوار واستمراريتها. في المحصلة، يعكس المشهد الثقافي في لبنان اليوم واقعاً معقداً، حيث يتقاطع الدمار المادي مع التهديدات الرمزية والوظيفية. وبين محدودية الأدوات المتاحة، واستمرار المخاطر الميدانية، تبدو مهمّة حماية التراث أقرب إلى إدارة خسائر منها إلى حماية كاملة. ومع ذلك، فإن الجهود المحلية والدولية، مهما بدت جزئية، تظل ضرورية للحفاظ على ما تبقى، ولضمان ألا تتحول هذه الخسارة إلى عملية محو كامل وتعطيل أو شلّ للقطاعات الثقافية.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية