الحرب ومهلة ترامب وضحكة سام
عربي
منذ أسبوع
مشاركة
في البيت، لا تبدأ الحروب بصوت الانفجار، بل بخبر عاجل. خبر يتسلّل من شاشة الهاتف إلى جدران الصالون، فيُغيّر لون الضوء، ويجعل الهواء أثقل، والقلق أكثر وضوحاً من الأثاث. قالوا: 48 ساعة. مهلة أعلنها دونالد ترامب، وكأنّ الزمن يمكن أن يُختصر إلى رقمين، وكأنّ أعمارنا يمكن أن تُعلّق بين عدّادين. الأخبار تتسارع كأنّها تركض، وأنا أركض خلفها. أفتح قناة. أُغلق أخرى. أبحث عن تفسير، عن وجه مطمئن، عن صوت يقول إنّ الأمر لن يصل إلينا. أسأل عن المحلّل فايز الدويري، كما لو أنّه بوصلتنا الوحيدة في هذا الضباب. أطفالي يراقبونني. لا يفهمون السياسة، لكنّهم يفهمون وجهي. يسألون: ماما... عمو الدويري بيعرف شو رح يصير؟ أسكت. لأنّ السؤال أكبر من الإجابة. ولا أحد يعرف: أين الأمان؟ نحن لسنا لاعبين، نحن مجرّد تفاصيل في لعبة الكبار سام ابني، لا يركض. سام يضحك. ضحكته ليست فرحاً، ولا سخرية، بل شيء بينهما، شيء يشبه الفهم الزائد عن الحدّ. يضحك كأنّه يقول: أنتم تأخذون اللعبة بجدية أكثر من اللازم. أراقبه، وأشعر أنّه يرى ما لا نراه، أنّ طفلي، الذي يقولون إنّه مختلف، ربّما فهم الحقيقة قبلنا: نحن لسنا لاعبين، نحن مجرّد تفاصيل في لعبة الكبار. حتى "طوم" قط ابني الروسي، يبدأ بالالتواء. يمشي بقلق، يراقب الفراغ، كأنّه يلتقط إشارات لا نسمعها. أسأل نفسي بجدية غريبة: هل وصلت إليه معركة "زئير الأسد"؟ هل لديه معلومات من الروس؟ هل الحيوانات تعرف قبلنا؟ نضحك أحياناً من هذه الأفكار. لكن في الحرب، يصبح الهذيان منطقاً آخر. وفي الخارج، تتكاثر الحروب: حرب على الحدود. حرب في السوق. حرب في المدارس. وحرب أخطر، في الكلمات. أيضاً، هناك خطاب الكراهية الذي يعلو، يتسلّل إلى الشاشات، إلى النقاشات، إلى تفاصيل يومنا. نبدأ بالاختلاف، ثم بالاتهام، ثم بالتخوين. وكأنّ الحرب لا تكتفي بالقصف. بل تريدنا أن نقصف بعضنا أيضاً. حرب على الحدود. حرب في السوق. حرب في المدارس. وحرب أخطر، في الكلمات  سام ما زال يضحك. ضحكته تمتدّ في البيت، تقطع الخوف، لكنها لا تمحوه. وأنا أحاول أن أفهم: هل يهرب؟ أم يواجه بطريقته؟ هل الضحك درع؟ أم استسلام جميل؟ أحياناً أشعر أنّه الناجي الوحيد من كلّ هذا، لأنّه لا يصدّق اللعبة من الأساس. على الشاشة، مذيعة الأخبار تتحدّث بجدية مدروسة. تشرح التهديدات الإسرائيلية على لبنان: هجوم بري، قصف جسر القاسمية، عزل جنوب لبنان. أشعر أنّ الكلمات تتحوّل إلى خرائط، وجسر القاسمية ليس مجرّد جسر، بل ممرّ، ممرّ لنا، نحن اللاجئين، نحو العودة. لا أفهم. وأطفالي لا يفهمون. والأسئلة تكبر في البيت: ماما، شو رح يصير؟ وين منروح؟ ليش الحرب؟ لا إجابات. فقط صمت، يتوسّطه سؤال واحد، يتكرّر كأنّه نشيد: وينك يا الدويري؟ في النهاية، أدرك أنّ المهلة ليست 48 ساعة فقط. المهلة الحقيقية هي تلك التي نعيشها كلّ يوم: مهلة بين خبر وخبر، بين خوف وخوف، بين ضحكة سام وانفجار السماء. نحن لا نعدّ الوقت، نحن ننجو منه. وفي بيتي، كما في هذا البلد، الحرب ليست حدثاً، بل حالة نعيشها، نؤجّلها، نسخر منها، ونحاول أن نحبّ رغمها. وربما نضحك، مثل سام.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية