الحرب وأعياد الأرض
عربي
منذ ساعة
مشاركة
على وجلٍ كنتُ أُحادثُ ابنةَ عمي المقيمةَ في قطر، صباحَ يومِ عيد الفطر. وقد بدأتُ الحديثَ بالمعايدة والأمنيات، التي حاولتُ أن تكون مقتضبة؛ لأنني فعليّاً لم أكن أمتلك ذلك الشعور المبتهج بهذا اليوم كما سابقاً. فالعيدُ أصبح يوماً عاديّاً بالنسبة لي منذ لفحني صقيعُ الاغتراب عن الوطن قسراً منذ نحو عامين، وصرتُ أتابع الحياة من شرفةٍ مرتفعة، حيث أنظر إلى عالمٍ آخر غير عالمي الصغير في غزّة، الضيقة في المساحة، المفعمة بالمشاعر، والمكتظّة بالحيوات المختلفة. فهناك، كلُّ شيءٍ تراه عيناك يُخبرك بأن اليوم عيدك أنت وحدك. كان صوت ابنة عمي في الدوحة معدنيّاً، بلا مشاعر، سوى نبرةِ حزنٍ خفية، وهي تُخبرني بأنها قد عادت للتو من المقبرة، بعد زيارة قبر أبيها الراحل أخيراً. وقالت بحزنٍ إن هذا العيد الأول الذي يمرّ من دونه، ولم أُعقّب على حديثها سوى بأمنياتي لها أن تعيش طويلاً لتتذكّر كثيراً، وتبّاً لها من أمنية: "تعيشي وتفتكري". كنتُ أتمنى أن تُخبرني بأن العيد سيكون مبهجاً في قطر؛ لأنني أحبّ قطر. هكذا فتحتُ عيني على الحياة وأنا أحبها منذ اليوم الذي عرفتُ فيه أن أهلي أصبحوا هناك، وأنها ضمّتهم منذ خروجهم بعد النكسة من غزّة. وغمرني الفخر حين قرأتُ اسمي عمتي وابنة عمي تحديداً من خلال محرّك البحث "غوغل"، حيث أفاد بأن تعليم البنات في قطر قد قام على أكتاف نخبةٍ من المعلمين الفلسطينيين والمصريين، وذكر اسميهما تحديداً. اليوم أتمنى كلَّ الخير لقطر، وألّا تهبَّ على أرضها إلا رياحُ الخير والسلام، بصنائعِ معروفِ أهلها نحو أهل غزّة التي لا تُعدّ ولا تُحصى. ويكفي أن السنوات الأخيرة من الحصار على غزّة، وقبل الحرب، كانت البيوت في غزّة تستند إلى نواةٍ صغيرة، هي معونةٌ شهرية تُصرف لأرباب الأسر التي تعيش تحت خط الفقر. وكنتُ أفرح حين أرى جارتي المعدمة تقف أمام عربة توزيع غاز الطبخ المنزلي، فتستبدل أسطوانات بيتها الفارغة بأخرى ممتلئة بالغاز بعد أن تدفع ثمنه من المعونة الشهرية التي استلمتها للتو، وتقول لي كل شهر: لولا هذه المعونة لما شممتُ رائحة طعامي الشهي، حتى لو كان خالياً من اللحم والدسم. في الأيام الروحانية التي مرّت قبل عيد المسلمين على وجه الأرض، كنتُ أخصّ قطر بالدعاء؛ لأنني أودعتُ فيها آخر أحبتي وكلَّ ذخيرتي. وبِتُّ أعيش أجواء الحرب الأولى في غزّة من متابعة الأخبار على مدار الساعة، وإرسال الرسائل إلى الأحبة هناك تباعاً. وحين يغيبون قليلاً، فأنا أُواسي نفسي وأطمئنها بالمثل الإنجليزي: "لا أخبار تعني أن الأخبار جيدة". تؤلمني الحروب وجنون البشر الذي يحرم الناس البسطاء والطبيعيين، غير المشوَّهين بغرور الحياة وشهواتها، والذين لا يملكون إلا يومهم الجميل وعائلاتهم المحبّبة. وأتذكّر كيف كانت أيام العيد وما قبلها في غزّة، قبل أن تقذف الحرب بالناس إلى الخيام، لكي يعيشوا حالةً نفسية صعبة ومؤلمة، وهي حالة الإنكار كما توصف في علم النفس. ولذلك هم يعيشون كل طقوس العيد بحذافيرها، وتفاجئنا صورهم وهم يتسوّقون ويشترون الملابس والألعاب لأطفالهم. وفي صباح العيد، يمارسون طقوس العيد المتوارثة منذ زمن في غزّة، من الإفطار على السمك المملح، وأطباق شعبية تُعرف بـ"السمّاقية"، وهي أكلة غزّاوية خالصة، خاصّة بسكان مدينة غزّة الأصليين. ثقيلةٌ وقاسيةٌ هذه الأيام، وأنت ترى كل هذا الحقد الأعمى، وتتابع الهجمات من الذباب الإلكتروني على بلاد الخير، التي لم تتوقف عن مدّ يدها لأهل غزّة خصوصاً ودائماً. ولولا هذه الأيدي لما صمدت غزّة، ولما ظل أهلها بعد عامين من الإبادة الممنهجة على أرضهم، ولأن العالم كله يعرف أن سقوط غزّة يعني أن تنتهي القضية الفلسطينية، فغزّة هي الجدار العتيد الذي يسند كل فلسطيني من بعيد مجازاً، ويسند من فيها فعلاً.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية