عربي
لطالما مثّلت شبكة إتش بي أو واحدة من أكثر الجهات تأثيراً في تاريخ التلفزيون. لكن هذا التأثير، الذي بدا يوماً ما راسخاً وغير قابل للاهتزاز، أصبح اليوم موضع تساؤل في ظل التحولات العميقة التي يشهدها قطاع الإعلام، خصوصاً مع صعود منصات البث الرقمي وتغيّر طبيعة الإنتاج الدرامي.
يستحضر المقال المنشور في صحيفة ذا غارديان هذا التناقض بين الماضي المشرق والحاضر المعقّد، ليقدّم قراءة نقدية لمسار شبكة أعادت تعريف التلفزيون، ثم وجدت نفسها مضطرة إلى إعادة تعريف ذاتها.
في أواخر التسعينيات وبداية الألفية الجديدة، لم تكن "إتش بي أو" مجرد قناة تعرض مسلسلات ناجحة، بل كانت مشروعاً ثقافياً يطمح إلى كسر القواعد التقليدية. في وقت كانت فيه معظم الشبكات تسعى إلى جذب أكبر عدد ممكن من المشاهدين عبر محتوى سهل وسريع الاستهلاك، اختارت "إتش بي أو" طريقاً مختلفاً، قائماً على الجودة والجرأة والتجريب.
هذا التوجّه تجلّى بوضوح في أعمال مثل "ذا سوبرانوز" (The Sopranos)، الذي قدّم شخصية معقّدة لرجل مافيا يعاني من أزمات نفسية، و"ذا واير" (The Wire)، الذي رسم صورة واقعية وقاسية لمجتمع مدينة بالتيمور، و"سِكس فيت أندر" (Six Feet Under)، الذي غاص في أسئلة الموت والمعنى والوجود من خلال قصة عائلة تدير داراً لدفن الموتى.
ما ميّز هذه الأعمال لم يكن موضوعاتها الجريئة فقط، بل الطريقة التي كُتبت وأُخرجت بها.
منحت "إتش بي أو" صُنّاعها حرية إبداعية غير مسبوقة، سمحت لهم بتجاوز القيود التي كانت تفرضها القنوات التقليدية. لم يكن الهدف إرضاء المعلنين أو تحقيق نسب مشاهدة قياسية، بل إنتاج أعمال تمتلك رؤية فنية واضحة وقيمة سردية عميقة. في هذا السياق، يبرز اسم ألان بول (Alan Ball)، مبتكر "سِكس فيت أندر"، الذي استفاد من هذه الحرية ليقدّم عملاً مختلفاً في نبرته وبنيته، حتى إن الشبكة نفسها شجّعته على أن يكون أكثر جرأة وغرابة.
هذا النموذج الإنتاجي، القائم على الثقة بالمبدع بدل التحكم فيه، أسهم في إطلاق ما عُرف لاحقاً بـ"العصر الذهبي للتلفزيون"؛ إذ أصبحت الدراما التلفزيونية وسيطاً قادراً على طرح أسئلة فلسفية واجتماعية عميقة، ومنافسة السينما في الجودة والطموح الفني. وبفضل هذه الانعطافة، تحوّلت "إتش بي أو" إلى معيار يُقاس عليه، وأصبحت علامتها التجارية مرادفاً للجودة والابتكار.
غير أن هذا التفوّق لم يدم من دون تحديات. فمع مرور الوقت، بدأت شركات أخرى تتبنّى النهج نفسه، مستفيدةً من الطريق الذي مهّدته "إتش بي أو". ومع ظهور منصات البث الرقمي، لم يعد المشاهد مضطراً إلى الاعتماد على قناة واحدة للحصول على محتوى متميّز، بل أصبحت أمامه خيارات واسعة ومتنوعة. هذا التوسّع في السوق أدّى إلى تآكل التفرد الذي كانت تتمتع به "إتش بي أو"، وجعلها واحدة من بين العديد من اللاعبين في ساحة مزدحمة.
إلى جانب ذلك، يشير المقال إلى أن التحولات المؤسسية داخل الشركات المالكة أثّرت في طبيعة القرارات الإنتاجية. فمع ازدياد الضغوط لتحقيق أرباح سريعة، قد يصبح من الصعب الاستثمار في مشاريع محفوفة بالمخاطر، حتى لو كانت تحمل إمكانات فنية كبيرة. في هذا الإطار، يبرز دور الرئيس التنفيذي في الشبكة، كيسي بلويز، الذي يحاول الحفاظ على توازن دقيق بين إرث "إتش بي أو" ومتطلبات الحاضر. غير أن هذا التوازن يبدو هشاً، في ظل بيئة لا تتسامح كثيراً مع الفشل.
من ناحية أخرى، تغيّرت أيضاً عادات المشاهدة، ما انعكس على شكل الأعمال المنتَجة. فبدل المسلسلات الطويلة التي تتطور ببطء وتمنح الشخصيات وقتاً كي تنضج وتتحوّل، أصبح الاتجاه يميل نحو أعمال أقصر وأكثر تكثيفاً. ورغم أن هذا التحول قد يتناسب مع إيقاع الحياة الحديثة، إلا أنه يطرح تساؤلات حول مدى قدرته على إنتاج نفس العمق الذي ميّز الأعمال السابقة.
يلمّح مقال "ذا غارديان" إلى أن المناخ الثقافي والسياسي الحالي قد يفرض نوعاً من الحذر على صُنّاع المحتوى، ما قد يحدّ من الجرأة التي كانت سمة أساسية في أعمال "إتش بي أو" الكلاسيكية. ففي زمن تتزايد فيه الحساسية تجاه بعض القضايا، قد تميل المؤسسات إلى تجنّب المخاطرة، وهو ما يتعارض مع الروح التي صنعت مجد الشبكة.
في ضوء هذه التحولات، يبدو أن "إتش بي أو" لم تعد في الموقع الذي كانت تحتله قبل عقدين. لكنها، في الوقت نفسه، لم تفقد تماماً قدرتها على إنتاج أعمال ذات جودة عالية. السؤال الذي يطرحه المقال ليس ما إذا كانت الشبكة لا تزال قادرة على النجاح، بل ما إذا كانت قادرة على الريادة من جديد، وعلى استعادة تلك الجرأة التي جعلتها يوماً ما في طليعة الابتكار التلفزيوني.
يمكن فهم موقع شبكة إتش بي أو اليوم من خلال أعمال حديثة مثل "ساكسيشن" (Succession)، الذي امتد لأربعة مواسم (2018 - 2023) وبلغ مجموع حلقاته 39 حلقة فقط، ومع ذلك حقق حضوراً نقدياً قوياً، وقد حاز 13 جائزة إيمي. هذا النموذج يختلف عن الأعمال الأطول في الماضي؛ فهو يعتمد على كثافة الحوار وتسارع الصراع بدل الامتداد الزمني.
لكن المثال الأهم هنا ليس نجاح العمل بحد ذاته، بل طبيعته: فـ"ساكسيشن" يقدّم دراما عن النخبة الاقتصادية والإعلامية، ويجذب جمهوراً نوعياً من دون أن يتوجّه لجميع المتابعين. هذا يشير إلى تحوّل في وظيفة الإنتاج؛ إذ لم تعد الأعمال تهدف إلى الهيمنة الكاملة على المشهد، بل إلى تحقيق تأثير مركّز ضمن سوق مزدحمة تضم مئات المسلسلات سنوياً عبر مختلف المنصات.
إلى جانب ذلك، تعكس مدة الحلقات والمواسم الأقصر (10 حلقات تقريباً للموسم) منطقاً إنتاجياً جديداً قائماً على تقليل المخاطر وزيادة وتيرة الإطلاق. النتيجة أن الجودة ما تزال موجودة، لكنها موزّعة على عدد أكبر من الأعمال، بدل أن تتجسّد في عدد محدود من المسلسلات "الحدث".
بالتالي، لم تعد قيمة "إتش بي أو" في كونها تنتج الأفضل بالمُطلق، بل في قدرتها على الاستمرار ضمن مستوى مرتفع في بيئة تنافسية، إذ إن التنافس يُقاس بالندرة، مع إضافة عنصر مهم جدّاً لها: الاستمرارية.

أخبار ذات صلة.
تحرك لاحتواء الحرب... وطهران تُصعّد
الشرق الأوسط
منذ 7 دقائق