عربي
في العبارة نفسها، جرثومة نائمة تستفيق، ثم تكبو. اليوم تبدو كأنّها اكتسبت مناعةً فائضة، فلم تعد تقدر عليها كلُّ المضادات الحيوية ومخفّضات الحرارة على أنواعها. العيش المشترك، لِمَ هذه العبارة من الأساس؟ لأنّ جرثومة الانقسام والتباعد والتحارب موجودة من الأصل. حتى في فسحات الصحّة والتعافي، كان هناك دائماً ما يذكّر الطوائف بأن عيشها المشترك مجرّد خدعة، قِناع، بدعة، وإن انتهى كثرٌ منا إلى تصديقها، لا بل إلى صرف حياتهم في الدفاع عنها. "ملائكة" العيش المشترك هؤلاء، باتوا أقلّيةً صامتة مخذولة، تُنعَت بالطوباوية وبالجنون. لا بأس، يقول العقلاء، لنكن براغماتيين، لقد حاولنا وفشلنا. لا... يجيب الملائكة، يجب أن نُبقي على محاولاتنا، لأنّ ملكوتنا مهدّد بالزوال، فإن زال، زلنا وزالت معانينا وانقلب عيشنا خراباً.
ليس في لبنان اليوم ما يدعو إلى الاطمئنان. الجسد الذي أنهكته الحروب والأزمات لم يعد يقوى حتى على احتمال مسكّن، المسافة بين الطائفة والوطن باتت أطول من أيّ زمن مضى، والخطوط التي اعتقدنا أننا محوناها بالحوار والاختلاط الاجتماعي، عادت أكثر حدّةً ووضوحاً. كأنّنا نستعيد، بحنين غريب، أمراضنا الأولى.
منذ الاستقلال، عاش اللبنانيون على وعدٍ بالتوازن، تارّةً تحت اسم "الميثاق"، وطوراً تحت شعارات "الصيغة" و"المناصفة". لكن هذه الصيغ كلّها، وإن كانت ضروريةً لتحديد شكل النظام، لم تنجح في بناء إنسانٍ حرّ من طائفته. لقد بقيت المواطنة مؤجّلة، واستمرّت الهُويّة مركّبةً من خوفٍ وانتماءٍ مشروط. ومع كلّ أزمة، تجد كلّ جماعةٍ نفسها أمام المرآة القديمة، تستحضر جراحها بمثل ما تستحضر الأسلحة من مخازن الذاكرة. هل كان لذلك أن يحدث لولا وجود خلل أعمق من السياسة، وفي فكرة الذات اللبنانية نفسها؟ للأسف، لم يُبنَ العيش المشترك على قناعةٍ فكرية وأخلاقية، بل على حاجةٍ عملية مؤقّتة: كيف يمكن لطوائف متجاورة أن تتقاسم الجغرافيا والسلطة من دون أن تقتل بعضها؟
اليوم، يتحلّل لبنان تحت أنظارنا، تحت القصف الوحشي وتحت وطأة الإنهاك الجماعي. تتآكل الدولة، يتحوّل الاقتصاد إلى فضاءٍ رماديٍ بلا قواعد، وتخفت اللغة الوطنية حتى يصير الانقسام نمط حياة. كلّ طائفةٍ تبني دويلتها الصغيرة، ترفع علمها الرمزي، وتعلن استقلالها غير المُعلَن عن الوطن الأمّ. غير أن الذين قرأوا التاريخ يعرفون أنّ الأوطان لا تموت دفعةً واحدة، بل تذبل في الوعي أولاً. حين يتعب الناس من محاولة الفهم، حين تتعب الطوائف من محاربة الشيطان في الآخر من دون أن تراه في ذاتها، حين يصبح الفساد هو اللغة المشتركة الوحيدة، عندها تُمحى فكرة الكيان من الخيال السياسي. لبنان في هذه المرحلة الرمادية والمستقبل لا يبشّر بخير، بيد أن بعض "الملائكة" ما زالوا يؤمنون بأنّه فكرة لا تُلغى بسهولة، ربّما لأنه المشروع الوحيد الذي سمح في لحظة نادرة بتعايش الاختلاف من دون حرب. هؤلاء يعرفون أن الإصرار على الحلم ليس إنكاراً للواقع، وإنّما رفضاً للقدر. لأنّ نهاية فكرة العيش المشترك تعني بداية الاقتناع بأنّ لا جدوى من اللقاء، وبأنّ كلّ جدارٍ مرفوع بيننا هو ضمانةٌ للسلام، وهي الفكرة الأخطر إذ تجعل التفكّك يبدو خياراً عقلانياً، بل مريحاً.
أمّا السؤال الذي يجب أن يُطرح من دون مواربة: هل نحبّ لبنان فعلاً، أم أننا نحبّ أنه صار أطلالاً تتكئ على نفسها، وفقراً يعلّم الناس ذلّ الحاجة، وخوفا يربّي فيهم الحذر والكراهية، وبيوتا مدمّرةً لا تجد من يعيد إليها اسمها، وقرى ممحوةً من الخريطة والذاكرة، وانتحاراً جماعيّاً بطيئاً، وارتهانا لنظامٍ خارجيٍّ يتداعى، وغزواً إسرائيليّاً يذكّرنا بأنّ الجغرافيا نفسها لم تُحسم بعد؟
والحقّ يقال إنّ الحبّ الحقيقي للبنان كاملاً والإصرار على مبدأ العيش المشترك، يكونان في رفض تحويله إلى مقبرةٍ مفتوحة، كما في التمسّك بإنقاذ المعنى من التحلّل، حتى حين يبدو أن المعنى نفسه قد تعب منّا.
