"مليون شتلة"... مبادرة وسط الركام لدعم الأمن الغذائي والبيئة في غزة
عربي
منذ أسبوع
مشاركة
يتفقد المزارع الفلسطيني خالد النمنم بعنايةٍ فائقة شتلات خضراء مزروعة داخل علبٍ معدنية وموزعة في مساحةٍ لا تتجاوز نصف دونم في مدينة غزة، وذلك ضمن مبادرة محلية لإنتاج "مليون شتلة" بهدف مواجهة الأزمة الغذائية المتفاقمة، أحد أبرز تداعيات حرب الإبادة الجماعية الإسرائيلية على القطاع. وقد استحدثت بلدية غزة هذا المشتل وسط المدينة، بعدما دمّرت إسرائيل خلال أشهر حرب الإبادة مشتلها الرئيسي الذي كان يمتد على مساحة 12 دونماً، ويوفر الشتلات الزراعية من الخضار وأشجار الزينة للحدائق والمرافق العامة في مختلف أنحاء قطاع غزة. كما تساهم هذه المبادرة في إعادة تأهيل الحدائق العامة التابعة للبلدية وإحياء الغطاء النباتي في المدينة. ويصف النمنم ظروف العمل اليوم بـ"الاستثنائية"، وذلك بفعل الحصار الإسرائيلي المشدد الذي يمنع إدخال أيّ من مستلزماتٍ زراعية، ما فرض على البلدية البحث عن "حلول بديلة" لمواصلة عملها. المشهد داخل المشتل يروي حكاية نجاح، حيث نبتت شتلات الفلفل والباذنجان والملفوف داخل مجموعة من العبوات المعدنية المستخدمة بديلاً عن الأكياس الزراعية. ومنذ بدء إسرائيل حرب الإبادة في 8 أكتوبر/ تشرين الأول 2023، يواجه قطاع غزة الذي عُرف على مدى عقود بمزارعه الممتدة من بلدة بيت لاهيا شمالاً حتى مدينة رفح جنوباً، واحدة من أكبر النكسات الزراعية في تاريخه، وسط غياب شبه تام للمدخلات الحيوية، مثل الوقود والبذور والأسمدة ومواد الريّ والحماية الزراعية. وبحسب معطيات المكتب الإعلامي الحكومي في غزة، دمّر الجيش الإسرائيلي أكثر من 94% من الأراضي الزراعية في القطاع من أصل 178 ألف دونم، لتتراجع بذلك القدرة الإنتاجية السنوية من 405 آلاف طن إلى نحو 28 ألف طن. وعلى الرغم من التوصل إلى اتفاق وقف إطلاق النار في 10 أكتوبر الماضي، إلا أنّ إسرائيل تنصّلت من التزاماتها التي نصّ عليها الاتفاق، بما في ذلك فتح المعابر وإدخال الكميات المتّفق عليها من المساعدات الإنسانية والإغاثية والطبية والوقود. النمنم، وهو المزارع الخمسيني الذي أمضى عقوداً من حياته في الزراعة، يجمع ما يتيسّر من بذور الثمار ويعمل على تنظيفها وتجفيفها تحت أشعة الشمس، على أن يعيد زراعة هذه البذور بعناية، في محاولة لإنتاج أكبر عدد ممكن من الشتول التي يمكن توزيعها على المزارعين أو زراعتها في مساحات صغيرة داخل الأحياء والمنازل، وفق قوله. وأوضح المتحدث باسم بلدية غزة حسني مهنا أنّ العمل متواصل داخل هذا المشتل الذي أُنشئ بديلاً عن الرئيسي. وأضاف: "الاحتلال دمّر المشتل الرئيسي بالكامل، ما شكّل ضربة كبيرة للقطاع الزراعي والبيئي في المدينة". وأعلن أنّ البلدية أطلقت مبادرة طموحة لإنتاج مليون شتلة زراعية، في محاولة لتعزيز الأمن الغذائي في ظل الحصار المشدد الذي يقيّد إدخال الأسمدة والبذور وسائر مستلزمات الزراعة. وأشار مهنا إلى أن المشتل الجديد يركّز على إنتاج الخضراوات الأساسية التي تشكل عنصراً مهماً في السلة الغذائية للسكان، خصوصاً في ظل نقص الإمدادات وارتفاع الأسعار. وبيّن أن الهدف لا يقتصر على الإنتاج فحسب، بل يتعداه إلى تمكين الأسر من زراعة مساحات صغيرة قرب منازلها أو في الحدائق المتبقية، بما يسهم في توفير جزء من احتياجاتها الغذائية. وعن خسائر البلدية في القطاع الزراعي، قال مهنا إنّ إسرائيل دمّرت إلى جانب المشتل البلدي الرئيسي نحو 9 حدائق ومتنزّهات عامة بشكل جزئي أو كلي. وأشار إلى أن الاعتداءات الإسرائيلية طاولت كذلك نحو 65 ألف شجرة وشجيرة من أشجار الزينة والظل والنباتات المثمرة، ما ألحق خسائر بيئية جسيمة وأفقد المدينة جزءاً كبيراً من غطائها النباتي، الأمر الذي انعكس سلباً على المشهد الحضري والتوازن البيئي في غزة. من جانبه، قال المهندس الزراعي عطا الفرام، المشرف على المشتل البلدي: "العمل يسير عبر مسارين إنتاجيّين رئيسيين، الأول مخصص لإنتاج شتول الخضراوات، بهدف دعم الأمن الغذائي داخل المدينة". أما المسار الثاني، وفق الفرام، فيركّز على إنتاج شتول الزينة والأشجار لإعادة تأهيل الحدائق العامة، وعددها 14 حديقة تتبع للبلدية، إلى جانب تشجيع الحدائق المنزلية. وأضاف أن نقص المدخلات الزراعية فرض على الفريق البحث عن حلولٍ بديلة، فبدلاً من الأسمدة المستوردة، تُجمَع المخلفات العضوية من النفايات المنزلية، وتُحوّل إلى سماد عضوي (كمبوست)، عبر عمليات تدوير محلية. كما تُستخدم علب معدنية وبلاستيكية جُمعت من مكبات النفايات وأماكن توزيع الطعام بديلاً عن أكياس الشتول، بعد تنظيفها وثقبها لتصريف المياه، بحسب المهندس الزراعي. وقال الفرام: "هذه الابتكارات لم تكن خياراً بل ضرورة، في ظل تدمير مصانع أكياس الشتول وصعوبة الاستيراد". وأضاف أن الفريق يجلب التربة من مناطق مختلفة داخل المدينة ويعيد تعبئتها يدويّاً في الأوعية المُعاد تدويرها، قبل زراعة البذور ومتابعة نموها. ورغم ضيق المساحة وكثرة التحديات، يواصل العاملون في المشتل عملهم يوميّاً متحدّين نقص المياه والوقود والمعدات. ووفق تقرير إحصائي نشره المكتب الحكومي بغزة في 6 أكتوبر 2025، فإنّ القطاع الزراعي تكبّد خسائر بلغت نحو 2.8 مليار دولار أميركي نتيجة عامَين من الإبادة الإسرائيلية. (الأناضول)

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية