بين ساحة الميدان وشارع الرشيد وسط العاصمة بغداد، وعند شقة متواضعة تعلو أصوات ممزوجة بالحماس، يتوسط المكان طاولات صغيرة، وأكف تحمل عملات نقدية باهتة الملامح، يجلس حولها رجال يشبهون حراس الزمن، هنا يُقام مزاد لا تُباع فيه المسكوكات النقدية المتقاعدة فقط، بل يُعاد فيه تداول الماضي.
أحمد كامل عضو جمعية الطوابع والمسكوكات العراقية:
مرتادو المزاد هم أعضاء الجمعية وفي بعض الأحيان يأتي ضيوف من خارج الجمعية وخارج العضوية، لكن الكل مرحّب به هنا. هذه العملات هي ذاكرة وطن، نحب نحن كهواة، تطوير جمعيتنا، وبالتالي نشارك كل العراقيين هذا التراث الجميل الحلو.
كل يوم سبت، يجتمع أعضاء جمعية الطوابع والمسكوكات العراقية في مزادٍ بسيط الشكل، عميق الدلالة، عملات من العهد الملكي، وأخرى عثمانية، وطوابع عبرت بلدانًا وأزمنة، تُعرض أمام الحضور، لتبدأ المزايدة عليها، وسط نقاشاتٍ لا تخلو من الحنين والحسرات على زمن رحل.
أسامة عبد اللطيف هاوٍ لجمع العملات القديمة تحدث إلى إذاعة مونت كارلو الدولية قائلًا:
"يختص المزاد بعملات وطوابع متنوعة، تشمل العملات الملكية، العملات القاسمية التي كانت في عهد الرئيس عبد الكريم قاسم، وأيضا الملك فيصل الأول، فيصل الثاني وغازي الأول، هذه عملات تكون باهضة الثمن كونها طُبعت ولن تطبع مرة ثانية، الناس يأتون لشرائها واقتناؤها كونها تعتبر ثروة"
المزاد لا تحكمه الأرقام فقط، بل القصص، فلكل قطعة نقدية مسيرة طويلة، ومحطات مختلفة توزعت بين جيوب كريمة وأيدي بخيلة، بين إنفاق على السعادة وآخر على الشقاء، فذاك رجل يحتفظ بعملةٍ ورثها عن والده، وآخر يبحث عن طابع، وثالث يرى في كل قطعة جزءًا من تاريخ العراق الذي مر من هنا.
جاسم العوادي عضو جمعية الطوابع والمسكوكات العراقية:
"بالنسبة لأسعار هذه العملات، تخضع لتقييم أولي من قبل الخبراء الموجودين بالمزاد، يعطون تقييهم، ثم تبدأ المزايدة من قبل الموجودين بالمزاد، في بعض الأحيان هناك قطع مهمة يتم بيعها من خمسة عشر إلى عشرين مليون دينار عراقي ( 10 الآف-12 ألف دولار) أو قد يصل سعر العملة الواحدة من ثلاثين إلى أربعين مليون دينار عراقي، (20 ألف- 25 ألف دولار)"
في زمن تتسارع فيه الأشياء نحو النسيان، يختار هؤلاء أن يتشبثوا بأطراف الماضي، أن يُمسكوا بقطعة صغيرة من المعدن أو الورق، ويقولوا: هذا ما تبقى من الحكاية.