عربي
ترك آلاف اللبنانيين بيوتهم في الجنوب على وقع القصف والخوف والتهديدات، ولم يحملوا معهم سوى بعض الأغراض الضرورية، وبعضهم خرج بالملابس التي عليه فقط، ومن بينهم عشرات العائلات التي غادرت بيوتها وبلداتها وهي لا تعلم إلى أين تذهب، فيما استقر كثير منهم على الكورنيش البحري لمدينة صيدا في سياراتهم، أو في خيام بسيطة، في ظل نقص الأماكن في مراكز الإيواء القليلة.
في ظل هذا الواقع البائس، قرر الطبيب اللبناني المغترب حسن عبود، وهو من بلدة دير عامص التابعة لمحافظة صور، توفير مأوى لأهل بلده الذين تركوا بيوتهم قسراً بمبادرة فردية تحمل طابعاً إنسانياً، إذ تكفّل بإنشاء مخيم إيواء متكامل على نفقته الخاصة في منطقة الجية في قضاء الشوف بمحافظة جبل لبنان، ليؤمّن مكاناً آمناً والاحتياجات الأساسية لعشرات العائلات التي نزحت من الجنوب بسبب الاعتداءات الإسرائيلية.
يقول النازح علي عبود (30 سنة)، وهو يعمل في مجال البناء: "نزحنا في الأول من شهر مارس/آذار، مع بدء العمليات العسكرية على الجنوب، وانتقلنا مباشرة من دير عامص إلى هذه الأرض التي تعود للطبيب حسن عبود، وهو اختصاصي عظام يعيش في الولايات المتحدة، وقد بادر إلى تجهيز المكان بالكامل على نفقته الخاصة، ووفر الخيام والبنية التحتية والمستلزمات التي نحتاجها".
ويضيف: "يضم المخيم نحو 30 عائلة من مختلف المناطق اللبنانية، بإجمالي حوالي 150 شخصاً، والغالبية من جنوب لبنان، وأشخاصاً أتوا من منطقة الأوزاعي في بيروت. رأينا معاناة الناس الذين اضطروا إلى النوم في الشوارع، فكان هذا المكان ملاذنا الآمن، وتواصل معنا العديد من الناس الذين تركوا بيوتهم، ولم يجدوا أماكن تؤويهم، بعد أن علموا من خلال وسائل التواصل الاجتماعي بمكان المخيم، واستقبلناهم. يؤمّن المخيم الكهرباء والمياه والتدفئة على نفقة الطبيب حسن عبود الخاصة، وهناك بعض المساعدات المحدودة التي تصل إلينا من جمعيات، خاصة المساعدات الغذائية".
ويتابع عبود: "كانت الأرض في الأصل مخصصة لإقامة مشروع تجاري، وهي ملكية خاصة، لكن مع تزايد الاعتداءات الإسرائيلية وحركة النزوح الكبيرة، تم إنشاء مركز الإيواء كون المنطقة تُعد شبه آمنة، والمكان مجهزا بالكامل، وكل الاحتياجات الأساسية متوفرة، من المياه الساخنة إلى المرافق الصحية".
نزحت أم علي من مدينة صور إلى المخيم، وتقول: "نحن عائلة كبيرة تضم 14 شخصاً، ونعيش حالياً في خيمة واحدة. لم يكن من السهل علينا ترك منزلنا، لكن بعد سقوط قذيفة بالقرب منه، شعرنا أن الخطر بات حقيقياً، وأنه لا يمكن تجاهله، وفي تلك اللحظات لم نفكر سوى بسلامة أطفالنا وكبار السن، فجمعنا ما استطعنا من أغراض بشكل سريع وغادرنا. كانت أولى محطاتنا هي كورنيش صيدا البحري، حيث قضينا يوماً كاملاً في العراء، وكان يوماً صعباً؛ كله تعب، وخوف، وقلق من المصير المجهول، والأطفال كانوا يسألون باستمرار متى سنعود إلى المنزل؟ ولم يكن لدينا أي جواب واضح، فنحن الكبار كنا نشعر بالضياع، ولا نعرف إلى أين نتجه، أو ماذا نفعل".
تضيف: "سمعنا عن هذا المخيم، فجئنا إلى المكان. في البداية كان التأقلم صعباً، فقد انتقلنا من منزلنا الخاص إلى مكان مشترك مع آخرين، لكن مع مرور الوقت، بدأنا نشعر بشيء من الاستقرار والطمأنينة. الناس متعاونون، وهناك نوع من التضامن بين الجميع، وكأننا أصبحنا عائلة واحدة، والمكان مؤمّن بشكل كامل، من الفرش والأغطية إلى المياه الساخنة والحمّامات النظيفة، حتى في حال المرض، يتم تأمين الأدوية والمتابعة الطبية، وهذا يخفف عنا الكثير من القلق، خصوصاً مع وجود أطفال وكبار في السن".
أما المتطوع أحمد صالح، من بلدة جون، قضاء الشوف في محافظة جبل لبنان، فيقول: "استضفت بعض الأشخاص النازحين الذين تركوا بيوتهم في الجنوب في منزلي، وعندما غادروا، جئت إلى هذا المخيم مع مجموعة من الشبان لنقدم المساعدة للناس الذين اتخذوه مركز إيواء. كل شيء في المخيم الذي تم إنشاؤه خصيصاً لاستقبال النازحين متوفر، من مياه وكهرباء وغسالات، إلى التدفئة بالحطب والغاز، وهناك تنظيم جيد، والشبان يسهرون على راحة الجميع. الطبيب صاحب المبادرة لم يقصّر، فحتى احتياجات الأطفال مؤمّنة، من الحليب إلى الحفاضات والسكاكر".
ويضيف: "جميع سكان المخيم صاروا وكأنهم عائلة واحدة، ويبلغ العدد نحو 150 شخصاً من دون احتساب الأطفال. الجميع يتعاونون، سواء سكان المخيم، أو أبناء القرى المجاورة لتأمين ما ينقص، والمساندة في هذه الظروف الصعبة".

أخبار ذات صلة.
صلاح جاهز لقيادة ليفربول أمام مان سيتي
الشرق الأوسط
منذ 6 دقائق