عربي
ارتبطت السياسات الخارجية لدول الخليج العربية، عقوداً، بعلاقات مُركّبة مع الولايات المتحدة. واجتازت العلاقات الوثيقة بين واشنطن والعواصم الخليجية اختبارات صعبة كانت كفيلةً بقلبها إلى عداوة متأصّلة. فمنذ انكشاف ازدواج السياسة الأميركية، بدعمها العراق في حرب الخليج الأولى (1980 – 1988) وتمريرها السلاح إلى إيران في الوقت ذاته، تعدّدت حالات الخذلان الأميركي للدول الخليجية. وتوالى، بدوره، الإنكار الخليجي لحقيقة توجّهات واشنطن، فلم تتوقّف دول الخليج العربية عن التدثّر بحضن أميركي بارد. ومن الصعب إيجاد تفسير موضوعي أو مبرّر مقنع لذلك الارتباط بواشنطن، والاستمرار الخليجي في علاقة أحادية الاتجاه، اللهم إلا وهم الاحتماء بمظلة أمن وحماية أميركية، من دون أيّ دليل يؤكّدها أو تجربة واقعية واحدة تثبت صحّتها ولو مرّة واحدة.
أولى التبعات المباشرة للحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران أنها وضعت دول الخليج العربية أمام امتحان حقيقي لرهاناتها الخارجية. إذ ثبت بالدليل العملي خطأ الرهان الخليجي الدائم على الحماية الأميركية. وتكفي مقارنة كمّيات الأسلحة المتقدّمة، المُكدسة في قواعد عسكرية أميركية في المنطقة، مقابل الفعّالية الضئيلة لتلك الأسلحة والقوات المصاحبة لها في مواجهة الصواريخ والمسيّرات الإيرانية. بل إن الحصاد الهزيل لتجربة الغطاء الأميركي الحمائي، عملياً، يأتي في مرتبة تالية لسقوط الرهان على "الرادع" الأميركي المتخيَّل خليجياً منذ عقود.
وما يزيد المرارة الخليجية من تلك التجربة العملية، أن هذه التجربة التي عرّضت أمن شعوب دول الخليج وأرواح مواطنيها للخطر فعلياً لم تكن اضطرارية، بل بمبادرة أميركية طوعية، استجابةً لتحريض إسرائيلي مباشر، من دون أيّ دواع واقعية أو دوافع ذات صلة بتهديد لمصالح واشنطن أو مساس فعلي بأمن إسرائيل ذاتها، فضلاً عن أمن دول الخليج نفسها. أي إنّ القوة العسكرية الأميركية، التي كان يجب (ويُفترَض) أن تحمي دول الخليج وتدافع عنها ضدّ أيّ خطر، إيراني خصوصاً، هي ذاتها التي جعلت منطقة الخليج في مرمى نيران طهران. وهي أيضاً التي أتاحت لإيران اتّهام دول الخليج ودول عربية أخرى بالمشاركة، بأجوائها وأراضيها، في العدوان على إيران.
وليس المحكّ هنا نيّات إيران أو حقيقة توجّهاتها نحو دول الخليج، بل الواقع العملي الذي تنبني عليه السياسات والتحرّكات الفعلية. فأطماع إيران الإقليمية معروفة، ونياتها العدوانية تجاه دول المنطقة واضحة، لكن الأرجح أن طهران لم تكن لتهاجم دول الخليج عسكرياً ما لم تتعرّض للهجوم من جانب واشنطن وتل أبيب.
ولعلّ الأصوات التي بدأت تعلو في دول الخليج بضرورة مراجعة ارتباطاتها الخارجية، وخصوصاً مع واشنطن، تُجسّد أولى تداعيات الحرب الدائرة حالياً. فلم تعد إعادة معايرة التوجّهات الخارجية الخليجية رفاهة فكرية أو مجرّد طرح افتراضي، بل صار ضبط البوصلة الخارجية فرضاً واجب التنفيذ لحظياً، وخصوصاً بعد أن بدأت الحرب الأميركية على إيران تتمدّد وتتّسع. والأخطر أن أيّاً من الأهداف المعلَنة لتلك الحرب لم يتحقّق، لا تغيير النظام الإيراني الحاكم أو سلوكه، ولا إنهاء البرنامج النووي. وما من مؤشّرات إلى قرب تحقّق تلك الأهداف في المدى المنظور، ما يعني أن إيران باقية كما هي. وتلك أولى، وربّما أهم، تداعيات الحرب الأميركية عليها، فضلاً عن تذرّع إيران بالهجمات الأميركية الإسرائيلية عليها لتحويل نيّاتها الخفية، وتوجّهاتها السالبة، إلى مزيد من العدوانية العملية تجاه دول مجلس التعاون الخليجي.
ورغم ما أثبتته تلك الحرب من ضرورة تخلّي الخليج عن الرهان المطلق على واشنطن، ثمّة معضلة يجب التفكير فيها مليّاً، وهي أن استدراك مآلات تلك الحرب وتطويق تداعياتها مسؤولية أميركية يحقّ لدول الخليج تحميلها كاملة، وحصراً، لدونالد ترامب، قبل أن يتنصّل منها.

أخبار ذات صلة.
الحرب تفاقم فاتورة استيراد النفط في اليمن
العربي الجديد
منذ 14 دقيقة
الصراع على «هرمز» يهدد محطات الطاقة
الشرق الأوسط
منذ 15 دقيقة
أوامر إسرائيلية بتدمير جسور «الليطاني»
الشرق الأوسط
منذ 18 دقيقة