لعبة أميركية اسمها الحرب
عربي
منذ ساعة
مشاركة
يخلق الإعلام إحساساً غير حقيقي وعالماً خيالياً يعبّر عن أحداث حقيقية، بحسب عالم الاجتماع الأميركي آلفن توفلر وزوجته الكاتبة هايدي توفلر، في توصيفهما لتطور تصوير المعارك في عصر التكنولوجيا، لتتجاوب معها الحكومات والأفراد والجيوش من أجل توجيه سلوكها وتصرفاتها، في إطار المقارنة بين "حروب الموجة الثالثة" والحروب في الماضي التي سعت الصحافة والتلفزة إلى تقريبها للمتلقي عبر نقل التفاصيل الدائرة في جبهات القتال بواقعية، بحسب كتابهما "الحرب وضد الحرب... البقاء في فجر القرن الحادي والعشرين" (دار المعارف، 2014/ ترجمة عبد الحليم أبو غزالة). خلال الأيام الماضية، نشر البيت الأبيض على منصة إكس، مقاطع مصورة منها مقطع يُظهر رجلاً مفتول العضلات يقول "ها نحن من جديد"، وبعدها تُعرض لقطة لتدمير شاحنة إيرانية في قصف أميركي، ويُكتب على الشاشة كلمة "wasted" تعبيراً عن أن الهدف تمّت تصفيته، ويتكرر الأمر مع لقطات لثلاث ضربات أخرى، منها قصف الولايات المتحدة للسفينة الحربية الإيرانية إيريس دينا. تتحوّل الحرب إلى مجرد استعراض يحاكي مشاهد الأكشن في أفلام هوليوودية، وأبطال ألعاب فيديو شهيرة مثل "غراند ثفت أوتو"، مع دمجها مع مشاهد حقيقية من الغارات المتواصلة منذ الثامن والعشرين من الشهر الماضي، ترافقها أغانٍ وعبارات حماسية مثل "نصر ساحق"، و"هل تريدون رؤيتي أفعلها مرة أخرى؟"، و"العدالة على الطريقة الأميركية". وبلغة الزوجين توفلر، فإن دعاية الحرب مهما بلغت فجاجتها مثلما يقدمها الأميركيون سيجري تداولها مثل البرامج الترفيهية، فيطغى التفوق العسكري على أيّ معاناة إنسانية حتى لو كانت تخصّ الطرف نفسه الذي يشنّ العدوان، مثلما علّق صحافيون ومحللون على نشر هذه المقاطع التي تستهتر بمشاعر عائلات الجنود الأميركيين الستة الذين قُتلوا في تحطّم طائرتهم في العراق قبل أكثر من أسبوع. لعبة فيديو تصوّر الهيمنة في أقصى درجات المتعة والإبهار تختفي المأساة التي تُسببها الحرب لصالح اختزال مبسط للقوة واحتفاء بممارستها، إلّا أن التحوّل الأعمق ينعكس في إذابة الحدود بين العنف في الواقع وبين العنف بوصفه تسلية بصرية، في خطاب سياسي يجرّد المشاهد من أي إحساس بالصدمة أو الرعب من منظر الدمار، فالأمر لا يعدو عن كونه مشهداً سينمائياً مشغولاً ببراعة ضمن مساحة اللهو التي تكرسها ألعاب الفيديو وتفرضها على اللاعبين/ المشاهدين للمشاركة والتفاعل مع الحدث بكامل التبلّد الأخلاقي. لكن عبارة واحدة تصدرتها فيديوهات البيت الأبيض لعمليات "الغضب الملحمي" حول تحقيق العدالة باعتبارها هدفاً للحرب، تُحيلنا إلى ردّ فرويد على رسالة أينشتاين التي بعثها إليه في مطلع ثلاثينيّات القرن الماضي، وصدرت في كتاب بعنوان "لماذا الحرب؟"، الذي ترجمه جهاد الشبيني في النسخة العربية الصادرة عن دار تكوين 2018، حين يشير المحلل النفسي النمساوي إلى أنّ "التوق إلى العنف والتدمير" يمثل أبرز دوافع الحرب، مبيناً أن الاستجابة لذلك تغدو أسهل إذا "امتزجت بدوافع أخرى من نوع مثالي وشهواني"، بل إنّ المثالية تبدو مجرد ذريعة للشهوات التدميرية مستشهداً بمحاكم التفتيش، وهو ما ينطبق على ترامب في وعوده لأهل غزّة بتحويل القطاع إلى "ريفييرا الشرق الأوسط"، والحرية المنتظرة للشعب الفنزويلي بعد اعتقاله نيكولاس مادورو، ودعوته إلى جعل إيران عظيمة مرة أخرى في سياق إظهار دعمه للمحتجين الإيرانيين في نهاية ديسمبر/ كانون الأول الماضي. وهنا، فإنّ الاستعداد لخوض حرب تنبع من الغريزية التدميرية كما يوضح فرويد، يحدّد الخطة الأكثر وضوحاً باستحضار العدو "الشبق" لمقارعته، في سياق يتماهى مع سلوك الرئيس الأميركي تجاه إيران ورفضه أي مبدأ للتفاوض وتقديم الخصم للتنازلات، إنما الذهاب إلى منازلةٍ يجري خلالها تسويق سياسات الولايات المتحدة كأنها ردّات فعل على توحش العدو ورغبته في تدمير جيرانه والمنطقة بأكملها، وهو ما تثبته مجريات الأحداث على أرض الواقع. هذه ليست حرباً تقليدية تشبه حروب البشرية في الماضي بين عدوّين متكافئين في دوافع تصادمهما، إنما هي لعبة فيديو تصوّر الهيمنة الأميركية في أقصى درجات المتعة والإبهار الدرامي التي تحيّد الألم والكارثة الإنسانية، إذ لا مكان للقانون وحق الضحية في الدفاع عن النفس.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية