تحوّل في خطاب باكستان تجاه إيران: السعودية أولاً
عربي
منذ ساعتين
مشاركة
في تحوّل لافت وغير مسبوق منذ اندلاع الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، تغيّرت خطاب باكستان تجاه إيران أخيراً، إذ شهدت إسلام أباد انعطافاً في خطابها السياسي والديني تجاه طهران، عكسته تصريحات قائد الجيش الباكستاني المشير عاصم منير، الخميس الماضي، خلال اجتماع مغلق مع شخصيات وعلماء من الشيعة في مقر قيادة الجيش بمدينة روالبندي. ولم تقتصر التصريحات على التحذير من الاحتجاجات المؤيدة لإيران، بل تجاوزت ذلك إلى التهديد الصريح لكل من يُبدي تعاطفاً معها، مطالباً كل من يتعاطف مع طهران بمغادرة البلاد والذهاب إلى إيران. كما أكد منير، وفق خطب لعلماء دين شيعة نقلوا بعضاً مما دار في اللقاء، أن الجيش الباكستاني سيقف إلى جانب السعودية بحكم "اتفاقية الدفاع الاستراتيجي المشترك" بين الرياض وإسلام أباد، إذا طلبت الرياض ذلك. ووقّع ولي العهد السعودي محمد بن سلمان ورئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف، في الرياض يوم 17 سبتمبر/أيلول 2025، "اتفاقية الدفاع الاستراتيجي المشترك". وتنص هذه الاتفاقية "على أن أي اعتداء على أي من البلدين هو اعتداء على كليهما"، وتم توقيعها بعد أسبوع من العدوان الإسرائيلي على الدوحة. وباكستان هي الدولة الوحيدة المسلحة نوويا من بين دول العالم ذات الأغلبية المسلمة. وخلال الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، التقى بن سلمان في جدة، في 12 مارس/ آذار الحالي، رئيس الوزراء الباكستاني الذي "دعم بلاده الكامل للسعودية". وقبل ذلك أكد نائب رئيس الوزراء ووزير الخارجية الباكستاني، إسحاق دار، في الثالث من مارس، أن باكستان ذكّرت إيران باتفاقية الدفاع المشتركة مع السعودية، وذلك في إطار جهودها لمنع أي هجمات إيرانية أخرى على الأراضي السعودية. وقال في مؤتمر صحافي من إسلام أباد: "أبلغتُ الجانب الإيراني باتفاقية الدفاع المشتركة بيننا (مع السعودية). وقد أكّد الجانب الإيراني على ضرورة ضمان السعودية عدم استخدام أراضيها ضد إيران". قائد الجيش الباكستاني لشخصيات وعلماء شيعة: من يتعاطف مع إيران فليغادر باكستان انعكس تبدّل خطاب باكستان تجاه إيران في أعقاب اجتماع قائد الجيش الباكستاني عاصم منير مع شخصيات وعلماء من الشيعة، الخميس الماضي، إذ رغم إصدار الجيش بياناً روتينياً، بعد الاجتماع، إلا أنه في اليوم التالي، يوم الجمعة خلال خطب في المساجد، تحدث علماء دين شيعة عما جرى بينهم وبين منير (أبرزهم علامة ناصر عباس، العلامة حسنين كرديزي، وسيد جواد نقوي وغيرهم). وأكد هؤلاء أن نبرة قائد الجيش كانت مهينة جداً خلال خطابه الذي استمر لمدة ساعة، ولم يسمح لأحد أن يتحدث قبل كلامه ولا في وسطه ولا بعده. كما كانت نبرته مليئة بالتهديدات، إذ حذّر الباكستانيين من القيام بأي عمل تعاطفاً مع إيران داخل باكستان، مشيراً إلى أنه أصدر أوامر بأن من يقترب من المؤسسات العسكرية في أي تظاهرة سيتم إطلاق النار عليه بشكل مباشر. وأعلن منير أيضاً، وفق هؤلاء أن من تم اعتقالهم على خلفية الاحتجاجات والتظاهرات بعد مقتل المرشد الإيراني علي خامنئي، سيمثلون أمام المحاكم العسكرية لا المدينة. وأخيرا قال إن كل من يتعاطف مع إيران عليه أن يذهب إلى هناك ويغادر باكستان. وبعد الكشف عن مضمون تصريحات عاصم منير في الاجتماع، سادت حالة من الغضب لدى المكون الشيعي في باكستان، ركزت عليها خطب الجمعة وخطب عيد الفطر. كما أدى خطاب باكستان تجاه إيران المستجد، إلى خروج تظاهرات في بعض المدن تنديداً بتصريحاته، أبرزها في مدينة سكردوا في إقليم جلجت بلتستان، ومدينة جهنك بإقليم البنجاب، وسط تأكيد أن تلك التصريحات لم تأت من فراغ بل كانت تعليمات لما سيقوم به الجيش الباكستاني، وتحذيراً من أن أي خطوة ضد إيران في باكستان قد تشعل فتنة في البلاد. في هذا الصدد قال نائب حركة وحدة المسلمين (مظلة لجميع الأحزاب الشيعية في باكستان)، العلامة السيد أحمد إقبال رضوي، في بيان مصور، "نقول بكل جرأة رداً على تصريحات قائد الجيش إننا نحب بلادنا ولكن الحرب الحالية هي حرب بين الحق والباطل نحن مع الحق، نحن مع إيران". وأضاف: "يقول لنا قائد الجيش أن نذهب إلى إيران إذا كنا نتعاطف معها، أقول له بكل صراحة عليك أن تمشي إلى أميركا، عليك أن تمشي إلى إسرائيل، لأنك تتعاطف معهما، نحن لم نفعل شيئاً ضد بلادنا، ولكنك دمرت البلاد بحكم وبوصية (الرئيس الأميركي دونالد) ترامب وأميركا". وكان السيد ساجد نقوي، زعيم الشيعة في باكستان، رئیس حزب النهضة الجعفرية الباکستاني، قد طلب، في بيان مقتضب، من صناع القرار في باكستان أن يغيروا تعاملهم وسياساتهم ويفكروا ملياً قبل اتخاذ أي قرار. وقال بلهجة شديدة: "لا أريد أن أثبت لأحد أني باكستاني وأنا أحب بلادي؛ لأني (لا) أقرر من هو باكستاني ومن ليس باكستانيا ومن يبقى ومن يخرج؟ لا حق لأحد أن يقول لنا أن نخرج من بلادنا". تحوّل في خطاب باكستان تجاه إيران لكن تصريحات قائد الجيش تشير إلى تحوّل عميق في خطاب باكستان تجاه إيران وموقف المؤسسة العسكرية الباكستانية، خصوصاً أنه يمكن ملاحظة تزامنها في الأيام الماضية مع تبدل في نبرة المقربين من المؤسسة العسكرية من الإعلاميين وعلماء الدين وخطابهم. فقد انتقل خطاب باكستان تجاه إيران على لسان هؤلاء، من الحديث عن الحياد وجهود الوساطة، واعتبار إيران جزءاً من المعادلة الإسلامية وغير خاسرة في الحرب، إلى تبني مواقف أكثر حدّة، تصف الحرس الثوري الإيراني بأنه يقود المنطقة نحو الفوضى، وتشكك في تاريخ العلاقات بين طهران وإسلام أباد، بل وتذهب إلى حد اعتبار تغيير النظام في إيران ضرورة لأمن المنطقة. نبرة قائد الجيش كانت مهينة جداً خلال خطابه الذي استمر لمدة ساعة وفي هذا السياق، تناول رئيس جامعة الرشيد بمدينة كراتشي، مفتي عبد الرحيم، والذي يعتبر في الوقت الحالي المرجع الديني للمؤسسة العسكرية الباكستانية وله علاقات وطيدة بقائد الجيش، في حوار يوم الجمعة نشر على قناته على منصة يوتيوب، ملفات عدة حول إيران و"الخيانة" التي ارتكبتها في حق باكستان، على حد وصفه. واعتبر أن عداء إيران مع أميركا وإسرائيل لم يكن في يوم من الأيام على أساس الدين أو من أجل الدين، بل فقط من أجل المصالح السياسية والاقتصادية، مضيفاً أنه في المقابل فإن عداء إيران للسعودية كان على أساس الدين والمذهب العقدي. وأكد أن باكستان حليفة السعودية، وبينهما اتفاقية الدفاع المشترك، مشدداً على أنه قبل اتخاذ أي قرار حيال إيران في هذه المرحلة الحساسة لا بد من النظر إلى التاريخ وتعامل إيران مع باكستان. خطاب باكستان تجاه إيران بعد الحرب الحالية، انعكس أيضاً باتهام عبد الرحيم إيران، بأنها تحاول المساس ببرنامج باكستان النووي، وإفشاء الأسرار الموجودة بينها وبين إسلام أباد حول البرنامج النووي. وقال إنه نجم عن تصرف إيران، اعتقال "أبي القنبلة النووية" الدكتور عبد القدير خان في عام 2004، في حين أنه كان رجلا بريئاً لم يكن له أي إسهام في تسليم المعلومات النووية لإيران على حد وصفه، لكن إسلام أباد ضحت بأبي القنبلة النووية، الذي عانى كثيراً بسبب فرض الإقامة الجبرية عليه (حتى 2009، مع إبقائه تحت رقابة أمنية مشددة حتى وفاته عام 2021). وبحسب عبد الرحيم، كان الهدف حينها الحفاظ على سمعة باكستان، والإثبات للمجتمع الدولي أن نقل المعلومات النووية الحساسة كان بيد خان، وليس من صنع أي جهة رسمية. بدوره، قال الإعلامي والمحلل السياسي المقرب من المؤسسة العسكرية الباكستانية، حبيب أكرم، والذي ينشر الأخبار الحصرية المرتبطة بالجيش بين الحين والآخر، على قناته على "يوتيوب"، في 20 مارس الحالي، إن الأمور تتغير بسرعة فائقة والتحالفات تتبدل، موضحاً أنه "حتى قبل يومين كانت إسرائيل وحدها ضد إيران، ولم يكن معها أحد سوى أميركا، لكن بدأت الأمور تتغير خلال اليومين الماضيين، ويبدو الآن أن العالم كله يقف في وجه إيران". وقدم أمثلة من بينها "اجتماع عقد لبعض الدول الأوروبية في لندن (في بروكسيل)، التي أعلنت دعمها لأميركا ضد إيران، كما انعقد في الرياض اجتماع للدول الإسلامية (والعربية الأربعاء الماضي)، كان من بينها باكستان وتركيا، دانت بشدة هجمات إيران على الدول العربية". وفي رأيه فإن هذه المستجدات تشير إلى أن العالم الآن ضد إيران، معتبراً أن الحرس الثوري الإيراني أصبح خطراً على المنطقة بعد أن أغلق مضيق هرمز. وتابع: "من هنا لا بد من تغيير النظام في إيران"، مشدداً على أن الوضع في إيران أشبه تماماً بالوضع في أفغانستان بعد أحداث 11 سبتمبر/ أيلول 2001، "حيث اضطر العالم أن يقف ضد حكومة طالبان وتم تغيير النظام هناك"، على حد وصفه. مواقف مقربين من السلطة تصف الحرس الثوري الإيراني بأنه يقود المنطقة نحو الفوضى وتعليقاً على ما قاله علماء شيعة بعد اجتماعهم بقائد الجيش، ومنها أن باكستان ستقف مع إيران بحكم الدين وهي ستكون ضد إسرائيل وأميركا، وحتى حديثهم عن أن مؤسس باكستان محمد علي جناح هو شيعي المذهب، اعتبر جاويد شودري الإعلامي المعروف بولائه للمؤسسة العسكرية، في تصريحات، أن علي جناح أسس البلاد من أجل أن يعيش فيها الجميع بغض النظر عن الانتماءات الدينية والمذهبية، لافتاً إلى أن كل قرارات باكستان ستكون في ضوء مصالحها، وليس بناء الانتماءات الفكرية والمذهبية، وعلى الجميع أن يقبل ما تقرره مؤسسات الدولة. التضحية بإيران أسهل من جهته، قال المحلل السياسي الباكستاني، أرشد حسين، لـ"العربي الجديد"، إنه لا يمكن لباكستان أن تقف ضد إيران، متسائلاً: "هل الشعب يسمح لباكستان أن تقف إلى جانب إسرائيل وأميركا ضد إيران". وتبنى حسين رواية طهران التي تقول إنها تستهدف القواعد الأميركية في الدول الخليجية، رغم أن الوقائع تناقض ذلك مع استهداف متكرر لمنشآت مدنية وبنى تحتية ونفطية. كما قال إن "إسلام أباد أبلغت بعض دول الخليج ما طلبته طهران من تلك الدول، وهو ألا تسمح للأميركيين باستخدام أراضيها ضد إيران، ولكن مع الأسف يحصل ذلك". وتساءل: "الآن كيف يمكن لباكستان أن تقف ضد إيران وهي تعرف كل ذلك وكانت توصل الرسائل الإيرانية إلى السعودية ودول الخليج؟". ووسط التوتر في خطاب باكستان تجاه إيران اعتبر المحلل السياسي الباكستاني أمير حمزة، اعتبر في حديث لـ"العربي الجديد"، أن "باكستان حاولت أن تقوم بدور الوساطة وتخفيف (حدة) الوضع، ساعية إلى ألا يتعمق الصراع بين السعودية وإيران وبالأحرى بين إيران ودول الخليج، ولكن يبدو أن الأمور تسير نحو الأسوأ". وفي رأيه فإن "باكستان ستقف مع السعودية إذا بدأت الأخيرة الحرب ضد إيران أو أرادت أن تقوم بأي رد، وباكستان ستكون ضمن أي تحالف ضد إيران طالما السعودية فيه". وعزا ذلك إلى أن "مصلحتنا مع السعودية، بلادنا تعتمد على السعودية في الأزمات الاقتصادية، في المقابل مصلحتنا المادية ضئيلة جداً مع إيران، وأيضاً من المعروف أن إيران لها علاقات قوية مع خصم باكستان، الهند". وبالتالي اعتبر أن "التضحية (بالعلاقات مع) إيران سهلة بالمقارنة مع التضحية بعلاقاتنا مع السعودية، وهذا حدث في الماضي أيضاً، بالتالي لا غرابة في ذلك".

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية