عربي
أعلنت وزارة الصحة في المغرب أن سنة 2026 ستشهد تعزيزاً غير مسبوق للموارد البشرية في القطاع الصحي، من خلال إحداث 8 آلاف وظيفة، وهو رقم يُعَدّ سابقة في تاريخ القطاع بالنظر إلى حجم الوظائف المحدثة دفعة واحدة، ويمثل ضعف عدد الوظائف الجديدة في عام 2019.
ويعاني قطاع الصحة المغربي من عدة مشكلات تشمل ضعف التجهيزات، والتفاوتات الكبيرة في التوزيع الجغرافي للمراكز الطبية، وقلة الموارد البشرية الذي يُعَدّ إحدى أبرز المشكلات التي يعاني منها القطاع. وتشمل إجراءات دعم المنظومة الطبية تخصيص ألف وظيفة للأطباء المقيمين لتعزيز الخدمات الاستشفائية بمختلف المؤسسات.
ووُزِّعَت الوظائف الجديدة على المديريات الجهوية للصحة بناءً على معايير موضوعية تراعي حجم النقص، وحجم الضغط على المرافق الصحية، والكثافة السكانية، وتعويض المهنيين المحالين على التقاعد، فضلاً عن مواكبة افتتاح المشاريع الصحية الجديدة، وتلبية متطلبات مؤسسات الرعاية الصحية الأولية.
وستتولى المديريات الجهوية توزيع هذه الوظائف حسب الإطار والدرجة لتوفير مختلف التخصصات من أطباء عامين وأطر تمريضية وتقنيين، مع الحرص على إدماج خريجي المعاهد العليا للمهن التمريضية وخريجي معاهد التكوين المهني في الميدان الصحي.
وتهدف الاستراتيجية المغربية إلى ضمان العدالة في توزيع الموارد البشرية، وتحسين الأداء العام للمنظومة الصحية على الصعيدين، الجهوي والوطني، بهدف بلوغ الاكتفاء الذاتي من الموارد البشرية على مستوى كل جهة، وذلك بموازاة تطوير منظومة التحفيز المهني لضمان تقديم خدمات صحية ذات جودة لعموم المواطنين.
ويرى الباحث في السياسات والنظم الصحية، الطيب حمضي، أن توظيف 8 آلاف كادر صحي دفعة واحدة خطوة مهمة، لكنها تبقى غير كافية بالنظر إلى حجم النقص القائم. ويوضح لـ"العربي الجديد": "عدد المناصب المستحدثة غير مسبوق بالتزامن مع تزايد الحاجة سنوياً إلى الكوادر الصحية، كذلك فإنه وسيلة مهمة لتقوية القطاع العام، واسترجاع جاذبيته على اعتبار أنه القاطرة الأساسية للمنظومة الصحية، فيما يبقى القطاع الخاص مكملاً. هناك اهتمام حكومي بالقطاع، وإدراك بضرورة تقوية الموارد البشرية، لكن الأمر لا يقتصر على القناعات، بل يلزم الانتقال إلى التفعيل".
ويلفت حمضي إلى أن "توظيف 8 آلاف كادر صحي يظل خطوة غير كافية، فالمغرب يحتاج إلى 34 ألف طبيب، وإلى ضعف هذا العدد من الممرضين، كذلك نحتاج إلى نحو 100 ألف إطار صحي في القطاعين العام والخاص. رغم أهمية توفير هذا العدد من الوظائف، إلا أن الواقع يقتضي بذل المزيد من الجهد من أجل مواكبة تطوير المنظومة الصحية وتجاوز تحدياتها. واقعياً، لا يمكن تجهيز 100 ألف إطار صحي مدرب بين عشية وضحاها، كذلك ينبغي تحسين ظروف العمل لتفادي نزف هجرة الكوادر الصحية".
بدوره، يعتبر رئيس المكتب التنفيذي للجمعية الوطنية للدفاع عن حقوق الإنسان (غير حكومية) محمد رشيد الشريعي، أن قرار السلطات الصحية توظيف 8 آلاف كادر صحي دفعة واحدة يعد خطوة مهمة في مسار تطوير القطاع الصحي، خصوصاً في ظل النقص الكبير في الموارد البشرية الذي تعاني منه المنظومة الصحية منذ سنوات. ويوضح لـ"العربي الجديد"، أن الغرض تقليص نقص الأطباء والممرضين والتقنيين، وتحسين جودة الخدمات الصحية المقدمة، ومواكبة ورش تعميم الحماية الاجتماعية، وكذلك تخفيف الضغط على المستشفيات العمومية، خصوصاً في المناطق القروية والنائية.
ويضيف الشريعي: "يعاني القطاع الصحي في المغرب من اضطرابات استراتيجية أدت إلى تردي المنظومة الصحية، والسياسات المعتمدة منذ سنوات ساهمت في تراجع مستوى الخدمات المقدمة، ما أدى إلى تفاقم الأوضاع الصحية، ونتج منه رفع سقف مطالب العديد من الحركات الاحتجاجية التي تطالب بإصلاح المنظومة الصحية التي تعيش أزمات بنيوية مزمنة تشمل النقص الحاد في الموارد البشرية، وهشاشة البنية التحتية للمستشفيات العمومية، وتفاوت مستوى الخدمات المقدمة بين المناطق، ما أدى إلى استياء شعبي نتيجة اضطرار المرضى إلى اللجوء إلى القطاع الخاص رغم الكلفة المرتفعة".
ويقول الناشط الحقوقي إن "سوء التسيير والحكامة المرتبط بوجود اختلالات في تدبير المؤسسات الصحية، وغياب رؤية استراتيجية فعالة يضيع فرص الاستثمار في القطاع الصحي، وهو ما كشفته أزمة كورونا، ورغم أهمية رقم 8 آلاف كادر صحي، إلا أن النقص لا يزال كبيراً، ما يقتضي جهوداً مستمرة لعدة سنوات، ووضع خطة استراتيجية بغية إصلاح منظومة الصحة، والحلول لا تقتصر على التوظيف، بل تشمل أيضاً بناء مستشفيات جديدة لضمان نظام صحي أكثر عدلاً وفعالية".
