عربي
تستعد مدينة هيوستن الأميركية لاستقبال كبار مسؤولي شركات الطاقة وصناع القرار غدا الاثنين، في مؤتمر "سيرا ويك" الذي يُعقد هذا العام على وقع الحرب في المنطقة التي ضربت مباشرة قلب أسواق الطاقة العالمية، وتحولت إلى عامل ضغط رئيسي على الإمدادات والأسعار والتوقعات الاقتصادية.
قفزة تاريخية للأسعار
وخلال أيام قليلة فقط، قفزت أسعار النفط العالمية إلى مستويات قاربت 120 دولاراً للبرميل، وهي مستويات لم تبلغها السوق منذ الاضطرابات الحادة التي أعقبت الحرب الروسية الأوكرانية سنة 2022. هذا الارتفاع غذته الهجمات على البنية التحتية، واضطرابات في الشحن البحري، وتعطل متزايد في مسارات الإمداد، ما دفع الحكومات إلى العودة مجدداً إلى هاجس التضخم وخطر الركود.
ويرى خبراء ومحللون أن الأزمة الحالية مرشحة لترك أثر طويل، حتى لو توقفت الحرب في وقت قريب، ذلك أن حجم الاضطراب الذي أصاب المنطقة لا يبدو عابرا. فالتقديرات الواردة تشير إلى أن التعافي قد يستغرق سنوات، خصوصا مع إغلاق مضيق هرمز، وهو الممر الذي يعبر منه نحو 20% من تجارة النفط والغاز الطبيعي المسال في العالم، بما جعله مجددا بؤرة الاختناق الأخطر في سوق الطاقة.
وأشارت قطر في وقت سابق إلى أن منشأة متضررة للغاز الطبيعي المسال ستحتاج إلى سنوات من أجل إصلاحها. وهذا المعطى يضاعف القلق في السوق، لأن الأزمة لم تعد مرتبطة فقط بمخاطر عبور الناقلات، بل باتت تمس منشآت إنتاج وتسييل حيوية في منطقة تعد أساساً مركزاً رئيسياً لتدفقات الطاقة نحو آسيا وأوروبا.
خفض الإنتاج
ومع اتساع نطاق التوتر، وجدت دول منتجة في المنطقة نفسها مضطرة إلى خفض جزء كبير من إنتاجها بسبب تعطل المرور والتهديدات الأمنية. وبدأت الدول المستهلكة والشركات الصناعية الكبرى تتصرف على أساس أن الأزمة لن تكون قصيرة. فعدد من المصافي وشركات البتروكيماويات، خصوصا في آسيا، خفضت معدلات التشغيل، أو أوقفت بعض الوحدات، أو أعلنت حالة القوة القاهرة نتيجة تعطل صادرات الخام والمواد الأولية من الشرق الأوسط. مما يعني أن تداعيات الحرب لم تعد محصورة في المنتجين، بل بدأت تصيب مباشرة سلاسل التصنيع والنقل والتكرير في الأسواق النهائية.
ولم تكن الولايات المتحدة بعيدة عن هذا الارتداد، إذ تجاوزت أسعار الديزل هناك خمسة دولارات للغالون لأول مرة منذ 2022، بينما اقتربت أسعار البنزين من أربعة دولارات للغالون. هذا الوضع رفع الكلفة السياسية على الرئيس الأميركي دونالد ترامب وحزبه الجمهوري قبل انتخابات التجديد النصفي المقررة في نوفمبر/تشرين الثاني، لأن أي صدمة طاقة داخلية تتحول سريعا إلى ملف معيشة وضغط انتخابي.
ومن المنتظر أن تطغى هذه التطورات على أعمال مؤتمر "سيرا ويك" الممتد خمسة أيام، والذي يشارك فيه أكثر من 10 آلاف شخص من أكثر من 80 دولة، بحضور وزراء ومسؤولين تنفيذيين من شركات كبرى مثل أرامكو وشيفرون وشل وتوتال إنرجيز وأدنوك، إلى جانب مسؤولين أميركيين ووزراء من دول أوبك+.
The global energy landscape is demanding a new set of professional fluencies.
As thousands of delegates gather in Houston for #CERAWeek 2026, we are tracking the shift in leadership priorities. Which domain is now a mandatory "second language" in your field? pic.twitter.com/Rvb8XYKyef
— CERAWeek (@CERAWeek) March 22, 2026
تحول في النقاشات
ونقلت "رويترز" أن لغة النقاش داخل المؤتمر ستختلف هذا العام بشكل واضح، بعدما كانت العلاقة بين شركات التكنولوجيا الكبرى وقطاع الطاقة، إلى جانب الذكاء الاصطناعي، مرشحة لتكون العنوان الأبرز قبل أسابيع فقط. أما الآن، فقد أصبحت الأولوية لأمن الإمدادات وكلفتها، ولإعادة تقييم هشاشة الاعتماد العالمي على منطقة الخليج في لحظة نزاع مفتوح.
وفي هذا السياق، قال دان يرغن، نائب رئيس شركة المعلومات والتحليلات المالية الأميركية "إس آند بي غلوبال" وهو من أبرز الأصوات المؤثرة في أسواق الطاقة، لوكالة رويترز إن "العالم يعيش قدرا غير مسبوق من الاضطراب، وإن المنتجين والدول سيعيدون النظر في درجة اعتمادهم على المصادر الحالية، ما قد يفتح الباب أمام موجة جديدة من تنويع الإمدادات، وزيادة المخزونات الاستراتيجية، والتوسع في الطاقة النووية والمتجددة، فضلا عن دعم الإنتاج المحلي لتقليل التعرض للصدمات الخارجية.
ويبرز أيضا ملف فنزويلا كعنصر حاضر بقوة في النقاشات، بعدما أضيف إلى جدول أعمال المؤتمر في اللحظة الأخيرة. فالمستثمرون يترقبون ما يمكن أن تحمله الإشارات السياسية الجديدة بشأن تسريع الإنتاج هناك بدعم أميركي، خاصة بعد تخفيف العقوبات ومحاولات إعادة تحريك قطاع النفط الفنزويلي. غير أن "رويترز" أشارت إلى أن الزيادة المحتملة في إنتاج فنزويلا، حتى لو بلغت 500 ألف برميل يوميا خلال ستة أشهر، ستبقى غير كافية لتعويض النقص الناجم عن الحرب في المنطقة، ما يعني أن السوق لن تجد بسهولة بديلا سريعا بحجم الخسارة المحتملة في الإمدادات الخليجية والمنطقة.
نمو إنتاج محدود
أما في الداخل الأميركي، فرغم أن الأسعار المرتفعة عادة ما تشجع على زيادة الإنتاج، فإن المؤشرات الحالية لا توحي باندفاعة كبيرة من منتجي النفط الصخري. فبحسب "رويترز"، فإنه من المتوقع أن يرتفع إنتاج حوض "برميان" هذا العام بنحو 10 آلاف برميل يوميا فقط ليصل إلى 6.6 ملايين برميل يوميا، وهو نمو محدود نسبيا، في وقت يفضّل فيه المستثمرون والشركات انتظار اتضاح صورة الحرب قبل الرهان على توسع كبير في الإنفاق والإنتاج.
مؤتمر هيوستن لن يكون هذه المرة مجرد منصة للنقاش حول مستقبل الطاقة وتقنياتها، بل سيتحول عملياً إلى غرفة تقييم عالمية لأثر الحرب على النفط والغاز والتضخم والنمو وسلاسل الإمداد. فالسوق اليوم لا تترقب فقط نهاية الحرب، بل تبحث أيضاً عن إجابة أصعب: كيف سيعاد ترتيب أمن الطاقة العالمي بعد هذه الصدمة، ومن سيدفع الثمن الأكبر في مرحلة ما بعد الحرب.

أخبار ذات صلة.
إيدي هاو: الخسارة من سندرلاند مؤلمة
الشرق الأوسط
منذ 11 دقيقة