زراعة قطر تتحدّى سلاسل الإمداد... وفرة إنتاج تتجاوز الطلب المحلي
عربي
منذ ساعتين
مشاركة
مع تصاعد التوترات الإقليمية والحرب الدائرة في المنطقة، وتعطل الملاحة البحرية في مضيق هرمز الذي تمرّ عبره نسبة كبيرة من تجارة الغذاء والطاقة العالمية، تسعى قطر إلى تعزيز قدرتها على الصمود الغذائي عبر تطوير الزراعة المحلية، خصوصاً الزراعة المائية والبيوت المحمية، إضافة إلى بناء مخزون غذائي استراتيجي يكفل استقرار الإمدادات. وتبرز التجربة القطرية نموذجاً في الصمود الغذائي واستدامة الإنتاج المحلي، تجمع بين بنية تحتية زراعية قائمة على التقنيات الحديثة وشبكة توريد مرنة يشارك فيها القطاعان العام والخاص جنباً إلى جنب. ويعكس المشهد الحالي في السوق القطرية ثمرة سنوات من الاستثمار الممنهج في استراتيجيات الأمن الغذائي، فبينما شهدت بعض الدول تقلبات في توافر بعض السلع الطازجة، بقيت رفوف المتاجر في قطر مكتظة بالخضار والمنتجات الحيوانية، بعد مضي أكثر من ثلاثة أسابيع على تداعيات الحرب في المنطقة، حتى إنّ قطر دخلت هذا الموسم بزخم إنتاجي غير مسبوق. فائض في الخضار المحلية يؤكد المدير التنفيذي لشركة "أجريكو" للتطوير الزراعي، رجل الأعمال القطري ناصر أحمد الخلف، في حديث لـ"العربي الجديد"، أن البلاد ما زالت في ذروة الموسم الزراعي، مع وفرة ملحوظة في الخضار الأساسية مثل الطماطم، والخيار، والباذنجان، والكوسا، والفلفل، مؤكداً أن بعض الأصناف تغطي أكثر من 150% من احتياج السوق المحلي، وقد جرى وقف الاستيراد مؤقتاً في خمس مواد أساسية لضمان تصريف الإنتاج المحلي أولاً... هذا الفائض، كما يقول، ليس عابراً، بل يعكس نضج منظومة الإنتاج المحلي التي لم تعد تحافظ على الاكتفاء فحسب، بل تسمح بالتصدير الموسمي إلى بعض الأسواق المجاورة خلال فترات الذروة. ففي أشهر الشتاء التي تشكل عماد الموسم الزراعي في قطر، تتحول المزارع إلى معامل إنتاج متواصل تضخ مئات الأطنان يومياً من الخضار والفواكه الطازجة نحو الأسواق المحلية. وكانت قطر حتى صيف عام 2017 تعتمد بدرجة كبيرة على الواردات الغذائية من خارج الحدود، لكن أزمة الحصار حينها مثلت نقطة تحول عميقة، سرعت من جهود الدولة نحو الاكتفاء الذاتي الزراعي والغذائي، وفعلت برامج تمويل للمزارع الخاصة، توازناً مع تقديم دعم فني وتقني عبر وزارتَي البلدية والبيئة ومؤسسات مثل "حصاد الغذائية" و"مزارع قطر"، إضافة إلى مبادرات مصرفية لتسهيل القروض الزراعية. نتيجة لذلك، نما عدد المزارع المنتجة بنحو 400% خلال عقد واحد، وقفزت مساهمة القطاع الزراعي في الناتج المحلي الإجمالي بنسب متفاوتة، وهو ما مكّن الشركات الخاصة الكبرى من ترسيخ هيكل إنتاج مرن يربط بين الزراعة، والتصنيع الغذائي، والتوزيع. يقول رجل الأعمال الخلف، الذي يستند إلى تجربة تمتد لأكثر من 15 سنة: "نحن بالأساس تجار مواد غذائية، لذلك عرفنا مبكراً احتياجات السوق وحدود الطلب، دخلنا مجال الزراعة بهدف تحقيق التكامل وليس الاكتفاء فحسب، واليوم ننتج سبعة آلاف طن سنوياً من الخضار، والفطر، وأسماك البلطي، ومع مطلع الصيف سنبدأ إنتاج بيض المائدة". زراعة بلا تربة ورغم الطبيعة الصحراوية لقطر، فإنّ الشركات الزراعية الخاصة ابتكرت أنظمة إنتاج متقدمة تعتمد على الزراعة من دون تربة (Hydroponics وCoco Fiber Systems)، وهو ما أتاح التغلب على التحدي المناخي وشح الموارد المائية. يوضح الخلف أن شركته تمتلك براءة اختراع في نظام زراعي يعتمد على الألياف الطبيعية لجوز الهند بدلاً من التربة التقليدية، ما يقلل استخدام المياه بنسبة 90% مقارنة بأساليب الزراعة القديمة، ويضيف: "لدينا مصنع خاص لمعالجة ألياف جوز الهند، ونستوردها من سريلانكا، ولدينا مخزون يغطي حاجة عام كامل، بذلك لا نتأثر بتعطل أو توقف أي طريق شحن مؤقت، سواء بحري أو بري". هذه التقنيات جعلت الإنتاج الزراعي القطري يتواصل على مدار العام تقريباً، إذ تواصل بعض المزارع العمل حتى في شهور الصيف الحارة داخل بيوت محمية مبردة مجهزة بأنظمة تحكم دقيقة في الرطوبة والإنارة. وتبنت الحكومة القطرية، منذ سنوات، نهجاً جديداً في إدارة ملف الأمن الغذائي قائماً على الشراكة مع القطاع الخاص، فبعد أن وضعت "الاستراتيجية الوطنية للأمن الغذائي 2018–2023"، فتحت الدولة الباب واسعاً أمام رؤوس الأموال المحلية للدخول في الإنتاج الزراعي والتصنيع الغذائي وتطوير الخدمات اللوجستية. وساهم هذا التعاون في بناء منظومة إنتاج متكاملة تشمل الزراعة، والنقل، والتخزين، والتوزيع، إلى جانب إقامة مصانع تحويلية تصنّع المواد الخام الغذائية محلياً. يقول المدير التنفيذي لشركة "أجريكو" إنّ شركته اليوم تدير مصنعاً للحوم والدواجن بطاقة تصل إلى 15 ألف طن سنوياً، تشمل أكثر من 600 صنف من منتجات اللحوم البيضاء والحمراء كالبرغر والناغت والدجاج المجهز. ويضيف: "خلال الأزمات عادة تتوقف بعض خطوط التصدير، أما نحن فقد أوقفنا التصدير منذ بداية مارس/آذار الجاري مؤقتاً بإرادتنا، لأنّ الطاقة الإنتاجية لدينا تغطي السوق المحلي وتزيد، نصدر عادة إلى دول مجلس التعاون والأردن ولبنان، لكن الأولوية دائماً للطلب الوطني". مرونة سلاسل الإمداد أثناء الأزمات في الأيام الأولى للحرب في المنطقة، والهجمات الجوية الإيرانية الصاروخية والمسيّرة على دول مجلس التعاون وغيرها، شهدت الأسواق العربية موجة قلق بشأن سلاسل التوريد، لكن في الداخل القطري تحرك القطاع الخاص بسرعة. يقول الخلف لـ"العربي الجديد": "منذ الأسبوع الأول بدأنا استيراد نحو 200 طن أسبوعياً من الخضار والفواكه عبر النقل البري من الدول المجاورة، ولم نحتج إلى الشحن البحري أو الجوي، حيث الحدود البرية مفتوحة، وعلاقاتنا مع الموردين ساعدتنا في ضمان تدفق البضائع بسلاسة". ويشير إلى أن "الصدمة الأولى" لم تدم طويلاً، إذ سارعت شركات الشحن الكبرى إلى تعديل مساراتها، وبدأت الحاويات بالتدفق مجدداً عبر المنافذ البرية والبحرية من سلطنة عُمان والإمارات والسعودية وتركيا، ما أعاد التوازن السريع إلى السوق المحلي. وفي السياق، أكد وزير التجارة والصناعة القطري، فيصل بن ثاني آل ثاني، في حديث لـ"تلفزيون قطر" الثلاثاء الماضي، أن الوزارة وضعت منذ أكثر من عشر سنوات خططاً للتعامل مع مختلف التحديات والمخاطر، مثل إغلاق مضيق هرمز أو تعطل مسارات الشحن، وذلك بالتنسيق مع الجهات المعنية، ووضعت خطط طوارئ لتنويع مسارات الإمداد وتأمين خطوط شحن بديلة. وأشار إلى أنه مع بداية الأزمة الحالية جرى تفعيل هذه الخطط مباشرة، وفتح مسارات لوجستية بديلة، إلى جانب تفعيل غرفة عمليات الطوارئ في الوزارة التي تعمل على مدار الساعة بالتنسيق مع الجهات الحكومية والقطاع الخاص لمتابعة حركة الإمدادات وضمان استمرار توفر السلع في السوق. نتائج ملموسة على السوق والأسعار انعكست هذه الجاهزية على استقرار الأسعار في أسواق قطر، إذ لم تسجل أي ارتفاعات تذكر في أسعار الخضار والفواكه، في وقت شهدت فيه بعض الأسواق الإقليمية تقلبات حادة، ويعود السبب إلى استراتيجية "السوق الممتلئ دائماً" التي تتبعها الشركات المنتجة والموزعة في قطر، عبر توفير كميات تزيد قليلاً عن الطلب المحلي الفعلي لضمان استقرار الأسعار والحد من المضاربات. وتحولت الزراعة القطرية خلال العقد الأخير من قطاع تقليدي صغير إلى صناعة اقتصادية حديثة تستند إلى التكنولوجيا، وتخضع لمعايير جودة قريبة من تلك المطبقة في الأسواق الأوروبية. وهذا التحول لم يكن ليحدث لولا تناغم السياسات الحكومية مع المبادرات الخاصة، فضلاً عن استثمارات ضخمة في الطاقة النظيفة، والمياه المعاد تدويرها، ومراكز الأبحاث الزراعية. وباتت الزراعة الذكية بالمياه المعالجة تمثل نسبة متزايدة من الإنتاج، إذ تستخدم أنظمة تحكم رقمية لقياس رطوبة التربة ودرجة الإضاءة، ما يقلل الهدر ويزيد الفعالية إلى حدها الأقصى. ورغم الوفرة الحالية، يتوقع أن يتراجع الإنتاج الموسمي تدريجياً مع دخول أشهر الصيف، إذ يتوقف معظم الإنتاج التقليدي بحلول يوليو/تموز، لكن الخلف يوضح أن أربع أو خمس مزارع كبرى فقط ستستمر بالإنتاج خلال الصيف، خصوصاً للخيار والخس والورقيات، وذلك بفضل أنظمة التبريد والزراعة داخل البيوت المحمية المعزولة حرارياً. ويؤكد أن الهدف المستقبلي هو تحقيق استدامة دائمة للإنتاج المحلي حتى في الصيف، عبر حلول طاقة متجددة لتخفيض كلفة التبريد واستخدام أنواع نباتية تتحمل الحرارة العالية. ولا يمكن فصل نجاح التجربة الزراعية والغذائية في قطر عن استراتيجية التنويع الاقتصادي التي تتبناها الدولة منذ أكثر من عقد. فالقطاع الزراعي، رغم حجمه النسبي المحدود أمام قطاعات مثل الطاقة والخدمات، يقدم بعداً استراتيجياً وأمنياً واقتصادياً في آن واحد، إذ يخلق وظائف محلية عالية المهارة في تقنيات الزراعة، ويقلل فاتورة الاستيراد، ويعزز الثقة في السوق الوطني حتى عند الأزمات، كما تساهم هذه المنظومة في تخفيف أثر التضخم المستورد، وتدعم قطاع النقل والخدمات اللوجستية والبيع بالتجزئة، كما أن تزايد الصادرات الغذائية نحو دول الجوار يعطي قطر موطئ قدم جديداً في أسواق السلع الغذائية الإقليمية، ما يضيف بعداً سياسياً ناعماً ضمن "الدبلوماسية الغذائية". من الاكتفاء إلى التصدير يقول المدير التنفيذي لـ"أجريكو": "منذ عام 2015 ونحن نزرع ونورد يومياً دون انقطاع، لم نتوقف يوماً واحداً، حتى أصبحنا نغطي حاجة السوق الداخلي ونصدر الفائض". وحسب وزير التجارة، يضم القطاع الصناعي حالياً أكثر من 138 مصنعاً غذائياً وطنياً يعمل بكفاءة عالية لتوفير المنتجات للسوق المحلي، كما شهد الإنتاج الوطني تطوراً ملحوظاً خلال السنوات الماضية، إذ ارتفع عدد المنتجات الوطنية في عام 2025 إلى أكثر من ألفي منتج، بزيادة 9% مقارنة بـ2024، ما يعكس تنامي قدرات القطاع الصناعي المحلي وتنوع المنتجات المتوفرة في الأسواق. وأشار الوزير إلى أن الظروف الحالية ساهمت في خلق فرصة حقيقية للقطاع الخاص للمساهمة في دعم الاكتفاء الذاتي، والتوسع في الإنتاج والاستثمار في الصناعات الغذائية. وحيث تتعالى المخاوف عالمياً من هشاشة سلاسل الإمداد، وضعت قطر حجر الأساس لنموذج أمن غذائي مستدام يربط بين الإنتاج المحلي والتكامل الإقليمي والتكنولوجيا المتقدمة، ويجعل من الزراعة رافداً اقتصادياً حقيقياً في مسيرة التنويع الوطني.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية