المعارضة الإسلاموية المغربية والحرب على إيران
عربي
منذ ساعة
مشاركة
لا يمكن أن تُفْهَم مواقف بعض فصائل الحركة الإسلاموية في المغرب من الحرب المدمرة التي شُنَّت على إيران، وَشَنَّتْها هذه على دول في الخليح، إلا إذا فهمنا وجه التناقض الذي يقول كل شيء في تلك المواقف، مع أنها تُخفي أيضاً ما لا يُراد قوله بالتعبير السياسي الحزبي، لأنه مرتبطٌ، على مستوياتٍ وأبنيةٍ مختلفة، بالأوضاع القائمة في المغرب، وبالوضع الخاص أساساً لفصيلين مختلفين من فصائل تلك الحركة بحكم وجودهما، بناء على توجّههما السياسي والعقدي، في مجال المعارضة السياسية الشرعية (العدالة والتنمية) واللاشرعية (العدل والإحسان). ويمكن استخراج مَحْكِي ذلك التناقض المشار إليه، ورمزيته وتجلياته، على نحوين: فقد بني من الناحية السياسية، في نحوه الأول بصيغة "العدل والإحسان"، على إدانة العدوان الصهيوني- الأميركي على الدولة الإيرانية بوصفها جمهورية إسلامية، والله تعالى يقول: "وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ ٱلْمُعْتَدِينَ (الآية 190، من سورة البقرة)، ولهذا الأمر كان من اللازم أن تقترن الإدانة بما ترتّب عن العدوان، فكان من باب "التعزية" كَسُنَّةٍ مُسْتَحَبَّة أن تعمد جماعة العدل والإحسان إلى مواساة الشعب الإيراني، فيما نتج عن الحرب من خسائر في الأرواح والممتلكات، مع التنصيص الخاص على اسم المرشد الأعلى للجمهورية، وَذِكْرٍ عام لِمَن قُتل من المدنيين والعلماء والقادة في ذلك العدوان، مع الدعوة بأن يتقبلهم الله جميعا "في الشهداء، وأن يلهم ذويهم الصبر والثبات"، مصداقاً للقول الكريم "وَبَشِّرِ ٱلصَّٰبِرِينَ ٱلَّذِينَ إِذَآ أَصَـٰبَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوٓا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّآ إِلَيْهِ رَٰاجِعُونَ" (من سورة البقرة). ولم يشذ الموقف، بِصِيغةِ "العدالة والتنمية"، عن هذا، مع أنه لم يَصُغ أيّ تبرير ديني مستخلص من النص القطعي المأخوذ من الآيات ذات المُعجم اللفظي الدالّ على العدوان والمصيبة والصبر والرجوع إلى الله وسوى ذلك، غير أنه لم يَرَ في الهجوم الإيراني على بعض دول الخليج حيث القواعد الأميركية، وهي دول إسلامية في التقدير والتعريف الديني، إلا أنه "غيرَ مُبَرَّر ولا مقبول"، أي ما مفاده تلك الصيغة ذات الطابع المعنوي المعتاد التي يمكن أن تعني وتكون، في ظروف أخرى، تبريراً كافياً مقبولاً لأي عدوان إيراني متوقع بحكم التهديد الاستراتيجي والأطماع التي يمكن أن تزعزع الأمن الإقليمي لدول الخليج العربي في المنطقة. وربما أيضاً تفطّنت جماعة "العدالة والتنمية" إلى أن الموقف الديني تدعيماً لولاية الفقيه لا يتعارض مع النبرة السياسية التي تحلى بها البيان الصادر عنها بخصوص المناسبة. ولذلك جاءت الإشارة إلى "انتهاك صارخ للقانون الدولي ولميثاق الأمم المتحدة"، ومطالبة "المجتمع الدولي، والدول العربية والإسلامية إلى التدخل العاجل بهدف الوقف الفوري لهذه الحرب المدمّرة"، كما لو أنها من صميم آداب النُّصح الدَّعَوي الطَّوْعي والاستغاثة، قبل أن تنقلب الحرب "السحر على الساحر" إلى فداء ديني لرد العدوان، أو للمقاومة دفاعاً عن كبرياء إسلامي جريح. النحو الثاني هو المتعلق بالشق السياسي في الموقف بشكل عام. ومن الواضح أن الكلام هنا يقال بعيداً عن التأويل الديني ومبرّرات النص القطعي، كما أنه لا يقال بالحماس الطاغي على الشعور بطبيعة الحرب الموجّهة ضد إيران. و"العدالة والتنمية" هنا، على وجه الخصوص، لا تعبّر إلا عن موقف مبدئي وباقتصاد ملحوظ في القول، علماً أنها أفاضت فيه من قبل بحماس كبير ومساندة مطلقة (22 يونيو/ حزيران 2025) عندما ضربت الولايات المتحدة المواقع النووية الإيرانية في العمليات المسمّاة بكثير من العدوانية والغِلّ (مِطْرَقة منتصف الليل). كان الموقف السياسي المناهض للحرب على إيران ذا عطاءٍ أيديولوجيٍّ مستمدٍّ من الحديث الذي ينصّ حرفياً على "النُّصرة" والمُراد من النحو السياسي أن المعارضة الإسلاموية (الشرعية واللاشرعية) كانت على دراية بثلاثة أمور متداخلة: الأول كامن في طبيعة العلاقة (أو "اللاعلاقة" على الأصح) التي تربط المغرب بإيران منذ قيام الثورة واستقرار نظام الملالي بزعامة الخميني في 1979. وهي بالجملة علاقة مضطربة تعرّضت لهزّات عنيفة على مستويين متداخلين، الديني والسياسي، وما زالت على ما هي عليه، في تجاذبٍ متواصلٍ، حسب الظروف المباشرة والأحوال المُوجبة. أما الأمر الثاني فهو المتعلق بالموقف من القضية الصحراوية، إذ معروفُ أن إيران اعترفت منذ أزيد من ثلاثة عقود بجبهة البوليساريو، وراجت أخبار غير مؤكّدة عن الدعم العسكري والتدريب التي تقدمه الجمهورية الإسلامية، أو أحد فصائلها الثورية، للصحراويين المرابطين في لحمادة على أرض الجزائر. ويمكن أن نعتبر الأمر الثالث على علاقة بالاختلاف والتعارض الموجود بين المذهب الشيعي، الذي هو عقيدة الجمهورية الإسلامية و"ولاية الفقيه"، والمذهب السني (المَالِكِيَّة والعقيدة الأشعرية) الذي هو عقيدة الدولة المغربية و"إمارة المؤمنين" بمقتضى الدستور. لا يمكن للحركة الإسلاموية إجمالاً إلا أن تستحضر هذه الأمور مجتمعة أو متفرّقة، ومن المحتمل، بالنظر إلى واقعة "الحرب على إيران"، أن تَرِدَ في تحديد الموقف والتعبير عنه كتابة أو شفاهياً، ويمكن لها، باعتماد استراتيجية خطابية ما، ألا تَرِدَ إطلاقاً، ولكنها في المقابل يمكن أن تُسْتَشَفَّ من الموقف بحكم نوعية القرائن التي تدلّ عليه: جماعة العدل والإحسان، بحكم طبيعتها الدينية واعتقاداتها الأيديولوجية النابعة أساساً من تأويل الدين وشعائره ومعاملاته، لا تقول إلا ما يمليه الاعتقاد الذي يبلوره الشعور الديني تجاه قضيةٍ من القضايا. يمكن تسمية هذه العملية بالذاتية، وكل قول سياسي يحمل من ذات قائلة (الجماعة الإسلامية) صفات يبلورها الشعور، ويؤكّدها الاهتمام كلما تعلق الأمر بتحديد موقفٍ من فعل، أو ظاهرة، أو حدث. فجماعة العدل والإحسان (السنّية) لا تستظهر موقفها العقدي والأيديولوجي من الشيعة، رغم علمها أن الجمهورية الإيرانية المستهدفة محكومة بالمذهب الشيعي في أهم المعاملات ومختلف الأوضاع الاجتماعية والسياسية في البلاد، وأنها تحت سلطة ولاية الفقيه مجالاً استراتيجياً مخصوصاً لإدارة الدولة والمجتمع، بوصفها الركيزة الأساسية للحكم أيضاً. ثم إن الجماعة تتغاضى في دعمها الجمهورية الإسلامية عن رؤية طبيعة الأوضاع القائمة فيها بالمعيارالعقلي المركب الحقوقي والديمقراطي، بل ويبدو، فوق هذا وذاك، أن موقف إدانة العدوان الأميركي الصهيوني ونصرة الجمهورية الإسلامية لا يعنيه ولا يهمه من ذلك شيء، لأنه موقف ديني مُعلن في علاقة بالله لا بِالْخَلْق (مخلوقاته التي أنشأها من العدم). ألا يعتبر الموقف الديني من الحرب على إيران خروجاً عن الإجماع السني والوطني الذي يقيم عليه الداعية السياسي أوهامه الأيديولوجية؟ والظاهر أن جماعة "العدالة والتنمية" تحفّظت إلى أن مال بها موقفها من الحرب على إيران إلى التعبير عن رأي سياسي أكثر وضوحاً من حيث السند الأممي والقانوني، فالإشارة إلى أن الحرب ضد إيران تمت "بخلفية الغدر وبعد فشل محاولات الابتزاز والإخضاع والترهيب" للقيادة الإيرانية، وأنها استهدفت "الشعب الإيراني المسلم في رمضان"، وأنها "استخفافٌ فظيعٌ ورهيب بالإسلام وبالمسلمين قاطبة من طرف الإرهاب الدولي الأميركي وأداته العنصرية إسرائيل"، ليعدّ، في رأيي، ضرباً من التزكية السياسية المشايعة لخصم ديني وسياسي، عليه في بعض أدبيات "العدالة والتنمية" انتقادات "وطنية مغربية" (الصحراء، الشيعة) في غاية النقد والتجريح والعداء المقرون بالضغينة. ولذلك كان الموقف السياسي المناهض للحرب على إيران ذا عطاءٍ أيديولوجيٍّ مستمدٍّ من الحديث الذي ينصّ حرفياً على "النُّصرة"، لأن دولة إيران في هذه الحالة "عَدُو" مسلم نُصْرَتُه واجبة على أخيه المسلم رغم أنه سنيٌّ مالكي ذو عقيدة أشعرية، أما المعتدي فهو بالأساس عدواني يُدَان بكل حكم ولو كان مناصراً للقضية الصحراوية أولوية وطنية ثابتة. أريد القول بهذا كله إن فصيلي الحركة الإسلاموية في المغرب يتفقان في الدعم الديني والسياسي غير المشروط للجمهورية الإسلامية، ويدينان به أيضاً العدوان الأميركي الصهيوني المتحالف ضد الأمة الإسلامية، إلا أن في الموقف من الوجهة الاعتبارية، أو الشخصية المعنوية، أو "الجماعة الإسلامية"، مشايعة غير محسوبة، هي في مقام التبعية أو "الإيمان العقدي"، للنظام الديني والسياسي الإيراني الذي يعارض، من موقع الخصم، معارضة ظاهرة جملة من الاختيارات، وفي الجوهر منها قضية الصحراء، التي تمثل لأنصار الفصيلين وأتباعهما محور معارضتهما أيضاً. الحقيقة أننا أمام معارضتين: الإيرانية لنظام الحكم ومجمل اختياراته في المغرب، والإسلاموية المغربية، وهي مُرَكَّبَة، من خلال دعمها اللامشروط الجمهورية الإسلامية. معارضة مركبة متناقضة لا تُفْهَم في المجال الشرعي الذي تعمل فيه، إلا معارضة صريحة للموقف المغربي الرسمي الذي جاء، لاعتبارات كثيرة، في مصلحة الحرب على إيران. ألا يمكن القول، إذاً، إن الموقف الديني من الحرب على إيران يعتبر خروجاً عن الإجماع السني والوطني الذي يقيم عليه الداعية السياسي أوهامه الأيديولوجية؟

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية