عربي
منذ خُلقت البشرية وهي تشهد صراعاً بين الخير والشر، بين العدل والظلم، وبين الحق والباطل... ولعل الأنانية والجشع والعنصرية البغيضة كانت المحرّك لأشد أنواع الاضطهاد والظلم التي تشد الإنسانية إلى الوراء لتهدم كل ما بنته من قيم حضارية جعلت الإنسان يتميّز عن عالم الحيوان والوحوش، ويرتقي إلى مبادئ وقوانين ومفاهيم تتجاوز قانون الغاب، حيث تنعدم المشاعر والقيم، ولا تبقى قيمة إلا للقوة، والقوة فقط.
ما شهدته منطقتنا، وما يشهده العالم، يشيران إلى انحدار مريع للقيم الإنسانية، واندفاع نحو فاشيةٍ لا تقلّ خطورةً عن فاشية هتلر وموسوليني اللذين كادت جرائمهما أن تودي بالبشرية جمعاء... كانت غزّة، وجرائم الحرب الوحشية فيها من إبادة جماعية وتجويع ومحاولات للتطهير العرقي المُعبّر الأفظع عن هذا الانحدار، ثم جاء العدوان الإسرائيلي الأميركي الخطير على إيران، والهجمات الإسرائيلية الوحشية، بمباركة أميركية، على لبنان، وما جرّته من ردات أفعال، لتؤكد أن ما تعيشه منطقتنا والعالم ليس انحداراً عابراً، بل نهج يهدّد بالخطر كل شعوب العالم ودوله. ولم يكن هذا مفصولاً عن أحداث أربعة عقود في منطقتنا، التي بدأت بجرّ العراق وإيران إلى حربٍ ضروس أضعفت الطرفين، وتُوّجت بتدمير العراق واحتلاله أميركياً بذريعة كذبة امتلاكه ما أسموها "أسلحة الدمار الشامل" التي انكشفت لاحقاً، ولكن بعد أن نزلت الفأس في الرأس، ودُمر العراق وخسر حوالي مليون إنسان ذهبوا ضحية تلك المؤامرة.
واليوم نشهد تكراراً للعدوان نفسه ضد إيران، بذريعة كذبة أخرى، وهي إمكانية امتلاكها سلاحاً نووياً. ومحاولة فشلت، ونأمل أن تبقى فاشلة بحكمة ذوي الشأن والدول، لجرّ إيران ودول الخليج العربي إلى صدام عسكري بينها لخدمة العقيدة الاستعمارية التقليدية "فرّق تسد".
في أواخر التسعينيات، ناقش معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى، الذي يتمتّع اللوبي الإسرائيلي بنفوذ واسع فيه، أطروحة جسّدت الأطماع الإسرائيلية في المنطقة، كان عنوانها "الاحتواء المزدوج للعراق وإيران". وكل ما رأيناه لاحقاً سار في ذلك الاتجاه، بعد أن كشفت الطغمة الصهيونية الحاكمة في إسرائيل نياتها، ليس فقط بضم كل الأراضي المحتلة، وتهويدها، بل وأن تصبح القوة الامبريالية المهيمنة في المنطقة عسكرياً واستخبارياً وسياسياً، واقتصادياً بالسيطرة على ثرواتها بالشراكة مع الولايات المتحدة.
لم يعد هناك خلاف على أن المحرّك والمخطّط لهذه الحرب التي تعصف بشعوب ومصالح المنطقة، سواء كانت إيران أو الشعوب والدول العربية، هو نتنياهو والطغمة الحاكمة في إسرائيل.
ولم يعد نتنياهو يتورع أو يتردد عن إعلان تأييده رؤية إسرائيل الكبرى التي تضم كل فلسطين والأردن ولبنان وثلثي سورية ونصف العراق وثلث السعودية ونصف مصر. ولا يتورّع سفير ترامب الأميركي في إسرائيل عن تأييد تلك الرؤية التوراتية المحرّفة، في ما يجسّد التحالف بين المسيحانية الصهيونية والصهيونية المشيخانية المتطرّفة، وكلاهما تياران أصوليان يريدان إفناء الفلسطينيين وتكريس كل فلسطين لليهود فقط.
وبعد فنزويلا وإيران، تبدو الأهداف الإمبريالية الأميركية المتحالفة مع إسرائيل واضحة بالسيطرة على أهم مصادر الطاقة في العالم، وعلى ثروات شعوب المنطقة ودولها، في إطار ما أعلنته بجلاء في وثيقة "استراتيجية الأمن الوطني للولايات المتحدة" التي صدرت في نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي، وأشارت صراحة إلى هدف "استعادة الهيمنة الأميركية في مجال الطاقة باعتبارها أولوية استراتيجية قصوى". كما ذكرت أن هدفها "منع أي قوة معادية من الهيمنة على الشرق الأوسط وعلى موارد النفط والغاز فيه ونقاط عبور هذه الموارد"، فالغرض من كل هذه الحرب العدوانية ليس حماية العالم من سلاح نووي جديد، قد ينافس ترسانتي الأسلحة النووية الأميركية والإسرائيلية الهائلة، بل تكريس الهيمنة الأميركية على ثروات المنطقة ومصادر الطاقة فيها للحدّ من ظهور أي قوة عالمية منافسة، وضمن ذلك كله، دعم أطماع إسرائيل لتكون القوة المهيمنة على المنطقة وتصفية القضية الفلسطينية، وفرض التطبيع القسْري على الدول العربية مع دولة الاحتلال التي تواصل ارتكاب جرائم الحرب. وقد أشار إلى هذه المخاطر كثيرون من مفكري المنطقة وقادتها صراحة أو ضمناً، فالحقائق لم تعد خافية على أحد، والمسار أوضح من أن تخفيه الادعاءات الأيديولوجية، وحتى ما يختفي أحياناً بعض الوقت، يسارع الرئيس الأميركي إلى فضحه بتصريحاته المتغطرسة.
أما الادعاءات الكاذبة بمناصرة الحقوق الديمقراطية للشعوب، فتعريها الوثيقة الأميركية نفسها التي تنصّ، تحت عنوان "الواقعية المرنة"، على "السعي إلى علاقات تجارية سلمية مع دول العالم من دون فرض الديمقراطية أو أي تغييرات اجتماعية أخرى عليهم تختلف جذرياً عن تقاليدهم وتاريخهم". وإذاً، يدور الحديث عن "تغيير الأنظمة" لصالح المصالح الإسرائيلية والأميركية، وليس لصالح حق الشعب الإيراني وباقي الشعوب في ممارسة الديمقراطية كما يُدعى. ولو كان هناك أي أساس أخلاقي لكل هذه السياسات والاعتداءات، لذُكرت حقوق الشعب الفلسطيني في الحرية وتقرير المصير، وهي حقوقٌ لا مكان لها في تلك السياسات.
ما يجري في منطقتنا ليس خلافاً أيديولوجياً، ولا حتى مجرّد تنافس مصالح، إنه الصراع بين الخير والشر، بين الحق والباطل، وبين الظلم والعدل
لم يعد هناك خلاف على أن المحرّك والمخطّط لهذه الحرب التي تعصف بشعوب ومصالح المنطقة، سواء كانت إيران أو الشعوب والدول العربية، هو نتنياهو والطغمة الحاكمة في إسرائيل. ولذلك تتعاظم في الولايات المتحدة الاحتجاجات على هذه الحرب، ليس فقط في مجلسي الكونغرس، بل وداخل إدارة ترامب نفسها. وجاءت استقالة رئيس المركز الوطني لمكافحة الإرهاب في الإدارة الأميركية جو كينت لتكون خير معبر عن هذا، وقد قال في بيانها إنه "يرفض تأييد الحرب الدائرة مع إيران، وأن ضميره لا يسمح له بتأييدها، لأن إيران لم تشكل تهديداً وشيكاً للولايات المتحدة. ومن الواضح أننا بدأنا هذه الحرب نتيجة ضغوط إسرائيل ولوبيها القوي في الولايات المتحدة".
وبعد رفض حلفاء الولايات المتحدة الانجرار وراء انجرار ترامب وإدارته خلف نتنياهو ومؤامراته، وصل الأمر بترامب إلى مهاجمة حلف شمال الأطلسي (ناتو)، ووصفه بارتكاب "خطأ غبيٍّ للغاية"، لعدم رغبته مشاركة الولايات المتحدة هذه الحرب بفتح مضيق هرمز. بل وصل الأمر بأحد أقرب حلفاء إسرائيل وترامب الأوروبيين، المستشار النمساوي كريستيان شتوكر، إلى القول "إن أوروبا لن تخضع للابتزاز للانخراط في الحرب الأميركية الإسرائيلية في الشرق الأوسط".أما وزير خارجية البلد الوسيط، عُمان، بدر بن حميد البوسعيدي، فكتب في مقال له في صحيفة إيكونومست ملمّحاً إلى التحريض الإسرائيلي "الولايات المتحدة فقدت السيطرة على سياستها، وواشنطن انجرّت إلى الحرب، وارتكبت أخطاء جسيمة في التقدير بشكل كبير. هذه الحرب لا يمكن اعتبارها مشروعة، ولا يمكن تبريرها".
وإثر هذا الرفض للانجرار إلى الحرب، تعمّد نتنياهو ارتكاب تصعيد خطير جديد بقصف حقل الغاز المشترك بين إيران وقطر، وهو من أهم مصادر الطاقة في العالم، بغرض إلحاق الأذى بالبلدين، وكل دول المنطقة والاقتصاد العالمي. وهو فعل أدّى إلى إدانات عالمية، بما في ذلك من إسبانيا ودول عديدة أخرى.
لا يمكن للمستعمرين الكبار، والصغار، أن يفهموا من أين تأتي الشعوب بالقدرة على الصمود، والنضال، والمقاومة
يقول زبيغنيو بريجنسكي، مستشار الأمن القومي السابق في إدارة الرئيس الأميركي الأسبق كارتر، في كتابه "الفرصة الثانية"، إن "الولايات المتحدة تواجه المعضلة نفسها التي تواجهها إسرائيل مع المحيط العربي، ولكن على نطاق أوسع، إذ إن كليهما يفتقر إلى الوسائل لفرض حل أحادي دائم يمليه تعريفه الخاص لأهدافه ومصالحه"، مؤكّداً "أنه لا يمكن تجاوز طموح الشعوب أولاً إلى الكرامة الإنسانية، وثانياً إلى الديمقراطية والحرية وثالثاً إلى العدالة الاجتماعية، وأن اليقظة السياسية مناهضة للإمبريالية دوماً". ويضيف في الكتاب نفسه أن عصر الإمبراطوريات التقليدية ولّى، وعمر الامبراطوريات أصبح قصيراً للغاية بالمقارنة مع الماضي، وما استغرق عقداً في السابق أصبح يحدث في سنة واحدة، مؤكّداً أن من سمات الإمبريالية الحديثة أن "قدرتها على التدمير أكبر من قدرتها على السيطرة"، والسيطرة العالمية الخرقاء لدولة واحدة، كما يقول الأميركي بريجنسكي، لن تدوم.
ليس واضحاً بعد كيف ستنتهي مغامرة العدوان الإسرائيلي والأميركي الجديدة، وإن كان واضحاً أنها تلحق أضراراً خطيرة وجسيمة، ليس فقط بإيران ولبنان بعد فلسطين، بل وأيضاً بدول الخليج العربي ومصالحها السياسية والاقتصادية والأمنية، بل تلحق دماراً بالإقتصاد العالمي، بما في ذلك الاقتصاد الأميركي. أما القانون الدولي والقانون الإنساني الدولي اللذين سبق أن ذُبحا في غزّة، ويتواصل ذبحهما اليوم في الضفة الغربية والقدس، فلم يعد لهما وجود في العُرف الإسرائيلي، ولا في ممارسات إدارة ترامب. وفي الأثناء، تواصل عصابات الإرهاب الاستيطانية البطش بالضفة الغربية وبسكانها من دون حسيب أو رقيب، ومن دون أي انتباه إعلامي لما يجري. ولولا صمود الشعب الفلسطيني وبسالته وإصراره على البقاء في وطنه لشهدنا تكراراً لجريمة النكبة التي وقعت في 1948.
ما يجري في منطقتنا ليس خلافاً أيديولوجياً، ولا حتى مجرّد تنافس مصالح، إنه الصراع بين الخير والشر، بين الحق والباطل، وبين الظلم والعدل... كثيرون لم يتعلموا من عِبَر التاريخ، ولا من فشل المستعمرين، ولكن البشرية تتعلم. يذكر الناس عمر المختار، ولا يذكر أحد اسم الجنرال الإيطالي الذي أعدمه. ويذكُرون الجنرال جياب الذي هزم الاستعمار الفرنسي في فيتنام ولا يذكرون أسماء الجنرالات الذين واجهوه. يذكر الناس نيلسون مانديلا ولم يعودوا يذكرون قادة الفصل العنصري وحلفاء حكام إسرائيل في ذلك الزمان. وفي الصراع بين الخير والشر، لا يمكن في النهاية للشرّ أن ينتصر، كما لا يمكن للمستعمرين الكبار، والصغار، أن يفهموا من أين تأتي الشعوب بالقدرة على الصمود، والنضال، والمقاومة.

أخبار ذات صلة.
"صمت" سعاد ماسي بينما يدوِّي العالم
العربي الجديد
منذ 35 دقيقة
«الدفاع القطرية»: سقوط مروحية بسبب عطل فني
الشرق الأوسط
منذ 44 دقيقة