عربي
تستخدم الولايات المتحدة ومعها إسرائيل في حربهما على إيران قوة نارية كبيرة، ومن خلفها قوة استخبارية لا تقل فتكاً، فتحطم الهجمات ما يمكن من المفاصل العسكرية الإيرانية، كما وجّهت إسرائيل بشكل أُحادي ضربة كبيرة على حقل بارس، فدمّرت منشآت حيوية وأساسية فيه، وهو الذي تعتمد عليه إيران بشكل خاص لإنتاج الغاز، الأمر الذي يستنزف موارد الدولة، ما يبدو أن أميركا لا تنسجم معه تماماً، فهي ترغب في تغييرات ببنية نظام إيران، أو سياساته، وليس الإجهاز على الدولة، أو تشظيها إلى حدّ كبير.
كان إضعاف النظام الإيراني هدفاً مباشراً، تم البدء به منذ الهجوم السابق في يونيو/ حزيران الماضي، وأُعيدت الكرَّة بقياس أكبر وأشد عنفاً في الهجوم الحالي الذي قضي فيه على عدة أجيال من قادة إيران، وفي مقدمتهم المرشد الأعلى.. توسعت المعركة الدائرة بشكل سريع لتشمل معظم الإقليم، فيما يبدو هدفاً أميركياً آخر، وهو إعادة ترسيم المنطقة بشكل كامل، وإعادة جدولة لموازين القوى فيها، بعملية استنزاف واسعة تطاول كل ما هو قريب من الخليج، وصولاً إلى إسرائيل التي تتحمّل، هي الأخرى، تكاليف أمنية واقتصادية وسياسية ما زالت تتصاعد منذ لحظة الحرب الأولى، فيما تراقب دول الخليج منشآتها النفطية، وهي المصدر الأساسي لاقتصاداتها، تخرج عن الخدمة شيئاً فشيئاً، ويزيد الخطورة تعطيل القدرة على تصدير النفط، فيما يعني تباطؤ الإنتاج أو توقفه في بعض المنشآت. وتقف الولايات المتحدة قريبة من هذا المشهد، وهي تدرك أنها لعبت الدور الأساسي في التسبب به، وتحاول أن تستثمر في هذه المعارك لتحويلها إلى نفوذ يمتد عقوداً مقبلة.
تضرَّرَ المستهلك الأميركي من ارتفاع أسعار الوقود العالمي، وهي نتيجة مباشرة وواقعية لما يحدث. ولكن معاناة المستهلك لا تعني أن الاقتصاد الأميركي في موقفٍ صعب، حيث يمكن ضبط ارتفاع أسعار الطاقة برفع بعض العقوبات عن نفط إيران نفسها، وهو ما يحدُث فعلاً، كما أن أزمة النفط الأحفوري التقليدي المتركز في دول الخليج التي تبدو في وسط عاصفة الحرب الحالية تعطي فرصة لزيادة إنتاج النفط الصخري، وهو المجال الذي تُعتبر الولايات المتحدة رائدة فيه، حيث وصول سعر النفط الأحفوري إلى ما يتجاوز المائة دولار للبرميل مناسَبة للنفط الصخري لينافس بقوة.
في الصورة العامة للمشهد، يدفع الشرق الأوسط كامل الكلفة، بإغلاق شبه كامل لحركة المرور من مضيق هرمز وإليه، وتهاوي البنية التحتية المنتجة للطاقة. تُفقد هذه الأزمة المنطقة سيطرتها على أوراق هامة تمتلكها، مع تأكيد التقارير الاقتصادية على التناقص المهول في عدد براميل النفط التي يجري إنتاجها يوميا في منطقة الخليج.
يمكن النظر إلى هذا المشهد مع ملاحظة الخلفية التي يقف أمامها، وهي توتّر عميق بين الولايات المتحدة وأصدقائها التقليديين في المنطقة، وقد شهد العام 2022 خلافا بين إدارة بايدن والسعودية بعد الطلب الأميركي من الرياض بمضاعفة الإنتاج عقب الحرب الروسية الأوكرانية. وعلى العكس حينها، خفضت "أوبك" مستويات الإنتاج، الأمر الذي قرأته واشنطن تمرّداً على المصالح السياسية والاقتصادية للولايات المتحدة، كما تلمّست نوعاً من التململ الخليجي من السيطرة الأميركية، بمحاولة دول خليجية تنويع الحلفاء والدخول إلى محور "بريكس" أو التقرّب منه. لم يعنِ هذا التململ انقلاباً عاماً في الموقف، ولكن أميركا قرأته بطريقتها الخاصة٬ ووجدت فيه مؤشّراً على سلوكٍ قد يشكل خطراً فيما لو جرى تنظيمه بشكلٍ أكبر، ليتحوّل إلى ما يشبه الاستقلال التام عن السياسة الأميركية. ويشمل هذا السلوك إسرائيل أيضا التي امتلكت علاقات مميّزة مع روسيا في العقد الأخير، نجمت عنها زيارات عديدة بين كبار مسؤولي البلدين، وتنسيقاً لافتاً في سورية ما زال ساري المفعول. في وسط عدم التعيين هذا، ترغب الولايات المتحدة باستثمار الحرب الحالية لإعادة ترتيب رقعة الشطرنج بطريقةٍ تضعها في القلب، وهو الموضع الذي لا تريد التخلّي عنه.

أخبار ذات صلة.
"صمت" سعاد ماسي بينما يدوِّي العالم
العربي الجديد
منذ 35 دقيقة
«الدفاع القطرية»: سقوط مروحية بسبب عطل فني
الشرق الأوسط
منذ 44 دقيقة