عربي
لم تكن السيدة "أميرة"، وهي ربة منزل أربعينية في الإسكندرية، تتوقع أن تتحول متابعة أخبار الصواريخ والمسيرات في سماء المنطقة إلى عامل مباشر يؤثر في ميزانية "لبس العيد" لأطفالها الثلاثة. فبينما كانت تستعد لموسم العيد كما في كل عام، وجدت نفسها أمام قفزات مفاجئة في الأسعار دفعتها لإعادة ترتيب أولويات الإنفاق بين الضروريات ومظاهر الاحتفال. تقول أميرة إن "طقم" العيد الذي كانت تشتريه العام الماضي بنحو 800 جنيه (نحو 16 دولارا)، تجاوز هذا العام 1500 جنيه (قرابة 30 دولاراً)، مضيفة أن التجار أرجعوا هذه الزيادة إلى تأخر الشحن وارتفاع تكاليف النقل نتيجة اضطرابات الملاحة في البحر الأحمر، بالتوازي مع تصاعد الحرب في المنطقة.
وتضيف: "أصبحنا نتابع الأخبار وكأنها في شارعنا، لأن تأثيرها يصل مباشرة إلى جيوبنا".لم تكن حالة أميرة استثناء، إذ استقبل المصريون عيد الفطر هذا العام في ظل أجواء اقتصادية ضاغطة تأثرت بشكل مباشر بالتصعيد العسكري في المنطقة، ما انعكس على أسعار السلع الموسمية التي تشهد عادة طلبا مرتفعا خلال هذه الفترة. وتشير تقديرات تجار ومنتجين إلى أن الأسعار ارتفعت بنسب تتراوح بين 30% و60% في قطاعات الملابس والكحك والأسماك المملحة وألعاب الأطفال، وهي زيادات فاقت تأثيرات التضخم المحلي وحده.
زحام بلا مبيعات
وفي أسواق الإسكندرية، بدا المشهد مزدحما، إلا أن هذا الزحام لم ينعكس على حجم المبيعات. يقول أحد تجار الملابس إن الحركة كانت أضعف من المتوقع، موضحا أن كثيرا من الأسر فضلت شراء قطعة واحدة فقط بدلا من طقم كامل، في محاولة للحفاظ على السيولة لمواجهة أي ارتفاعات جديدة محتملة. ويصف التجار هذه الحالة بـ"الركود التضخمي"، حيث تتوافر السلع لكن القدرة الشرائية تتراجع بشكل ملحوظ.
وامتدت تأثيرات الغلاء إلى منتجات العيد التقليدية، وعلى رأسها الكحك، إذ تراوح سعر الكيلوغرام بين 300 و800 جنيه (ما بين 6 و16 دولاراً تقريباً)، مقارنة بمستويات أقل في العام الماضي. ويقول أحد صناع الحلويات إن ارتفاع تكاليف التشغيل والنقل، إلى جانب توقعات المستهلكين بزيادات إضافية، دفع الأسعار إلى هذا المستوى، في وقت تراجع فيه حجم الطلب، حيث اكتفت كثير من الأسر بكميات محدودة "للبركة" فقط.
كما لم تسلم الأسماك المملحة من موجة الارتفاع، إذ تجاوز سعر الفسيخ 400 جنيه (نحو 8 دولارات) للكيلوغرام، بينما تراوحت أسعار الرنجة بين 200 و300 جنيه (4 إلى 6 دولارات تقريباً). وتؤكد موظفة حكومية أن الأسر أصبحت تفكر مليا قبل شراء هذه السلع، التي باتت تعد من الكماليات في ظل الضغوط الحالية، ما دفعها إلى تقليص الكميات المعتادة للحفاظ على ميزانية الشهر. أما ألعاب الأطفال، التي تعتمد مصر على استيراد نحو 80% منها، فقد تأثرت بشكل واضح باضطرابات سلاسل الإمداد. ويشير مستوردون إلى أن مدة وصول الشحنات تضاعفت بسبب تغيير مسارات السفن بعيدا عن مناطق التوتر، في حين ارتفعت تكاليف التأمين بشكل كبير، ما أدى إلى زيادة أسعار الألعاب بنحو 60%، وهو ما انعكس مباشرة على قدرة الأسر على تلبية احتياجات الأطفال خلال العيد.
وفي تفسير هذا المشهد، يقول الخبير الاقتصادي الدكتور محمود بسيوني إن "السوق المصري يعاني من حساسية مفرطة تجاه الصدمات الخارجية، حيث أدى التصعيد الإقليمي إلى حالة فورية من التحوط لدى المستوردين، ما أوقف موجة الانخفاض الطفيف التي بدأت في الفترة الأخيرة". ويضيف بسيوني أن "التجار عادوا للتمسك بأسعار مرتفعة ليس فقط بسبب التكاليف الحالية، بل خوفا من اضطرابات مستقبلية في سلاسل الإمداد أو قفزات مفاجئة في أسعار النفط عالميا، وهو ما يعزز ما يعرف بحالة الركود التضخمي في الأسواق". من جانبه، يكشف مسؤول في اتحاد الغرف التجارية أن "توقيت الحرب كان حرجا للغاية، وزاد من حدة العامل النفسي السلبي الذي أبطأ حركة التداول النقدي في الأسواق".
ويحذر من أن استمرار الحرب في المنطقة قد يفرض ضغوطا متزايدة على السياسة النقدية، ما قد يدفع البنك المركزي إلى إعادة تقييم أدواته لمواجهة موجات تضخمية محتملة. وأوضح أن تجاوز أسعار النفط مستوى 90 دولارا للبرميل سيؤدي إلى ارتفاع كلفة الطاقة والنقل، وهو ما ينعكس مباشرة على بنود الإنفاق العام، ويزيد من أعباء الموازنة. ويشير إلى أن هذه الضغوط قد تنتقل سريعاً إلى مستويات الأسعار المحلية عبر ما يعرف بـ"التضخم المستورد" ما يحد من فعالية أي إجراءات قصيرة الأجل لكبح الأسعار. في وقت يسعى فيه المواطن إلى تجاوز موسم العيد بأقل خسائر ممكنة.

أخبار ذات صلة.
"صمت" سعاد ماسي بينما يدوِّي العالم
العربي الجديد
منذ 19 دقيقة
«الدفاع القطرية»: سقوط مروحية بسبب عطل فني
الشرق الأوسط
منذ 28 دقيقة