عربي
أثناء طفولتي في منتصف الثمانينات، لم تكن السيارات مجرّد وسيلة نقل بالنسبة لي، بل كانت بوابة إلى الخيال. كنتُ أرى العالم من خلال عدسة طفلٍ مشدوه، يجلس أمام التلفاز مبهوراً بظهور ديلوريان الفضية، وهي تشقّ الزمن في الجزء الأوّل من فيلم "Back to the Future"، أو يستمع بنبضٍ مُتسارع لصوت كِيت في مسلسل "Knight Rider" عند عرضه أيّام الجمعة على شاشة التلفزيون الأردني، تلك البونتياك فاير بيرد المُعدّلة التي لا تكتفي بالسير بل تفكّر، تتكلّم، وربّما تسخر منك أيضاً إن أخطأت الطريق.
لم تكن تلك السيارات مجرّد آلات، بل شخصيات، وأصدقاء، أبطال خارقون على أربع عجلات، وبوابات نحو عالمٍ من الأحلام. وهكذا بدأ هوسي بالسيارات، هوسٌ لم يكن له علاقة بالسرعة بقدر ما كان مُتعلّقاً بالفكرة، بأن تكون السيارة شيئاً أكبر من مجرّد عربة بمحرّك.
كبرتُ وكبر معي هذا الهوس، لكنّه تعقّل. وأقنعت نفسي على مدى السنين، بذكاءٍ ظاهري وزهدٍ مصطنع، أنّ السيارات العملية هي الخيار الصحيح. سيارات جميلة ومريحة وتؤدي الغرض، لا تُثير الشبهات، ولا تفتح أبواب نقاشات لا تنتهي مع النفس أو مع البنك. ظللت أقنع نفسي بأن أؤجّل الجاغوار أو البورش وأن أترك شيئاً من هذا الجنون لمرحلة التقاعد حين يكون الوقت لي، لا علي.
لكن على ما يبدو أنّ العالم لم ينتظر تقاعدي. فجأة، وبلا مقدّمات درامية، انقلبت قواعد اللعبة. فلم يعد السؤال أيّ سيارة أريد؟ بل أصبح لأيّ عالم أنتمي؟ فنحن نعيش هذه الأيّام لحظة مفصلية، لا في تاريخ السيارات فقط، بل في علاقتنا بها. ففي زمنٍ كانت فيه بورشه وفيراري ولمبرغيني تمثّل قمم الطموح، باتت اليوم تواجه تحدياً غير متوقّع، ليس من منافس أوروبي آخر، بل من شركات لم تكن موجودة على خريطة الحلم قبل سنوات قليلة، شركات تتلاعب في مفهوم السيارة بحدّ ذاته.
لم يعد السؤال أيّ سيارة أريد؟ بل أصبح لأي عالم أنتمي؟
تخيّل أن تدفع ثروة في سيارة مثل تايكان توربو جي تي، بكلّ ما تحمله من إرث هندسي وهيبة ألمانية. ثم تأتيك شركة مثل شاومي، المعروفة حتى بضع سنين بتصنيع الهواتف، وتقدّم سيارة كهربائية تنافسها، بل وتتفوّق عليها في كثير من الجوانب بنصف السعر. هنا لا تشعر فقط بالمفاجأة بل بشيء أقرب إلى الخيانة العاطفية، ناهيك عن إفلاسك المالي الحتمي.
وكأنّ الماضي الذي أحببته يُعاد تعريفه أمام عيني، فالسيارة لم تعد رمزاً للميكانيكا المُعقّدة والإفراط في الهندسة أو الصوت الجهوري للمحرّك والتسارع الذي يلصقك بالكرسي، بل أصبحت منصّة تكنولوجية على عجلات، تعطيك كلّ ذلك بثمن معقول إن لم تبالي بالشعار على مقدّمة سيارتك. فلم تعد السيارات تتباهى بعدد الأسطوانات وسعة المحرّك، بل بقوّة محرّكاتها الكهربائية وسرعة المُعالج وجودة نظم التشغيل والقيادة الذاتية. لم يعد التسارع من 0 إلى 100 كيلومتر في الساعة يعني شيئاً عندما تتمكّن نصف السيارات الصينية الكهربائية في الشارع من التغلّب على بي أم دبليو أو حتى بورشه من دون أيّ عناء يُذكر. والأغرب من ذلك أنّ السيارات التي لربّما صنفناها كشعبية أصبحت تقدّم ما كان يُعتبر قبل سنوات قليلة رفاهية حصرية للنخبة. شاشات عملاقة، أنظمة قيادة شبه ذاتية، تسارع مذهل، والكثير من الوظائف العجيبة، وكلّ ذلك بسعرٍ قد يجعلك تشكّ أنك تقرأ القائمة الصحيحة.
فما الذي حدث؟ ببساطة نحن نشهد تغيّراً لتعريف القيمة، فلم يعد الشعار على مقدّمة السيارة كافياً لتبرير السعر، ولم يعد التاريخ وحده يصنع المستقبل، ولربّما لم يعد هنالك سيارة تشعرك بتميّزها وسط هذا السيل.
لم تعد السيارات تتباهى بعدد الأسطوانات وسعة المحرّك، بل بقوّة محركاتها الكهربائية وسرعة المُعالج وجودة نظم التشغيل والقيادة الذاتية
وربما، وهذا هو الجزء الأكثر إثارة للقلق أو الطرافة، أنّ الهوس نفسه تغيّر. ذلك الطفل الذي كان يحلم بسيارة بشاشات تتكلّم معه، وجد نفسه في عالمٍ أصبحت فيه كلّ السيارات تقريباً كِيت لكن من دون الشخصية. كلّها ذكية، كلّها متصلة، كلّها جميلة التصميم وانسيابية، ولكن أين الروح؟ أو على الأقل أين التميّز؟
ربما كنا نطارد وهماً جميلاً. أو ربّما نحن الآن نعيش النسخة الواقعية منه، ولكن بجودة إنتاج صينية وقواعد لعبة جديدة.
في النهاية، لا أعرف إن كنتُ سأصل إلى تلك اللحظة التي أقرّر فيها شراء سيارة أحلامي. ربّما لن أفعل. والمؤسف ليس لأنني لا أستطيع، بل لأنّ تعريف الحلم نفسه لم يعد واضحاً كما كان. بين ديلوريان التي كسرت الزمن، وكِيت التي كسرت حدود الآلة، وبين سيارات اليوم التي تكسر قواعد السوق لربّما بدأ هوسي بالتلاشي ولربما سأكتفي بما تضمه مجموعة نماذجي لسيارات كيت وديلوريان وأبحث عن لعبة أخرى لتقاعدي.
لكن السؤال الذي يبقى مُعلّقاً: هل ما زلنا نحبّ السيارات كأداة غيّرت البشرية وطريقة حياتنا؟ أم أننا بدأنا نهتم على نحوٍ عملي بحت بما تمثّله من تكنولوجيا فقط؟ وهل، في يومٍ ما، سننظر إلى سيارات اليوم كما نظر أبناء جيلي يوماً إلى ديلوريان وكيت... ونبتسم؟