في تراجع أداء أحزاب المعارضة المصرية
عربي
منذ أسبوع
مشاركة
لا تعاني أحزاب المعارضة المصرية فقط من مشكلات تتعلق بعلاقتها مع أجهزة الدولة الإدارية والأمنية، وهو ما يفرض قيوداً عديدة على دورها السياسي في المجتمع، وتمثيلها في مجلس النواب، ويضيق مساحة المشاركة في صنع القرار في الداخل والخارج، بل تعاني أيضاً من نشوء أزمات هيكلية، في مقدمتها غياب الديمقراطية الداخلية، ما يؤدّي إلى نشوء نزاعات تنظيمية مستمرّة، قد تتطور إلى انشقاقات كبيرة، أو اللجوء إلى القضاء للفصل في هذه النزاعات سنوات طويلة، مع احتمالات تدخل أجهزة الدولة لدعم جناح على حساب آخر. وتبرز هذه النزاعات بوضوح خلال فترات انتخاب القيادات الحزبية، كما أخيراً في حزبي الدستور والتجمع الوطني التقدمي الوحدوي، وتمتد بدرجات متفاوتة إلى أحزاب أخرى مثل الناصري والوفد. ولا يقتصر هذا على الأحزاب التقليدية التي نشأت منذ عقود، بل يشمل أيضاً تلك التي تأسّست عقب ثورة 25 يناير (2011)، ما يعكس أزمة عامة في بنية العمل الحزبي. مثالاً، أزمة حزب الدستور مستمرّة منذ نحو عامين، حيث واجهت رئاسته خلافات داخلية بعد قرار رئيسة الحزب، جميلة إسماعيل، تجميد عدة قيادات وسيطة. وبالرغم من تدخل وسطاء من سياسيين وحقوقيين لمحاولة حل الأزمة، ووضع قواعد لإجراء انتخابات توافقية، استمرّ الانقسام، إذ دعت جبهة معارضة في الحزب إلى انتخاباتٍ شملت منصب رئيس الحزب والأمين العام وأمناء المحافظات، وأسفرت عن فوز بعض رموزها، بينما دعا التيار الآخر بقيادة جميلة إسماعيل إلى انتخابات موازية، ما عمّق الانقسام. بالتوازي، اثيرت مشكلة أخرى داخل حزب التجمّع (اليساري) بسبب محاولة رئيس الحزب، سيد عبد العال، تغيير اللائحة للسماح له بالترشح لفترة رئاسية ثالثة، الأمر الذي انتقده القيادي وزير التضامن الاجتماعي الأسبق، جودة عبد الخالق، بكتابة مقال للنشر في صحيفة الحزب تم منعه من النشر، ما أدّى لاحقاً إلى تجميد عضويته الحزبية. وتعكس هذه الواقعة تناقضاً واضحاً بين دعوة هذه الأحزاب إلى تداول السلطة على مستوى الدولة، وسعي بعض قياداتها إلى البقاء في مواقعها عبر تعديل اللوائح أو الالتفاف عليها. رغم تأسيس عشرات الأحزاب بعد ثورة 25 يناير، لم ينعكس هذا بشكل حقيقي على تفعيل الحياة السياسية وفي المقابل، نجح حزب الوفد في ادارة انتخابات على موقع رئيس الحزب لم يترشّح فيها رئيس الحزب السابق، وانتهت بفوز السيد البدوي، الأمر الذي لم يلق تحفظات أو خلافات داخل الحزب. كما قدّم حزب التحالف الشعبي نموذجاً ايجابياً باكتفاء رئيسه مدحت الزاهد بالمدتين اللتين أمضاهما في الحزب ليفتح الباب لرئيس جديد، وهو ما مثل تطورا تنظيمياً إيجابياً. يؤشّر استمرار هذه الممارسات السلبية إلى ضعف قدرة هذه الأحزاب على إدارة الصراع الداخلي في مصر سلميّاً، وهو ما يرجع إلى أسلوب إنشائها البيروقراطي في نهاية السبعينات من أعلى السلطة، في إطار توجّه رسمي إلى إعادة تشكيل الحياة السياسية لأغراض تحسين شكل السلطة وقتها أمام الرأي العام الخارجي، بالإضافة إلى تفكيك الميراث القديم بإنهاء تجربة التنظيم الواحد التي استمرّت حتى عام 1974، ثم التحوّل إلى منابر تحوّلت لاحقا إلى أحزاب سياسية تعكس توجهات اليمين واليسار والوسط. وفي مشهد مأسوي، وبعد إنشاء الرئيس الراجل أنور السادات الحزب الوطني الديمقراطي (1978)، انتقل إليه أغلب قيادات حزب مصر تيار الوسط باعتباره حزب السلطة! وفي ظل تبني السادات ما سماها "ديمقراطية الأنياب"، خاضت أجهزته صراعا سياسيا مع هذه الأحزاب، خصوصاً في أعقاب انتفاضة 18 و19 يناير (1977)، بسبب معارضتها مواقفه أدت إلى تجميد حزب الوفد، والقبض على مئات السياسيين المصريين في 5 سبتمبر/ أيلول 1981. يكرس عزلة الأحزاب فرض أجهزة الدولة حصاراً سياسياً عليها داخل المواقع الجماهيرية، ومكافاة الأحزاب المقرّبة لها بالتعيين في مجلسي النواب والشيوخ والمجالس القومية ويبدو أن هذه النشأة من أعلى كانت محل انتقادات خبراء وسياسيين كثيرين، اذ جرى في الوقت نفسه رفض أحزاب أخرى، بالرغم امتداداتها الجماهيرية بالشارع السياسي وبشكل خاص التيار الناصري وبعض مجموعات تيار الإسلام السياسي، فاضطرّت جماعة الإخوان المسلمين إلى التحالف مع أحزاب أخرى لخوض انتخابات مجلس النواب في عامي 1984 و1987. وكانت لجنة الأحزاب التي كان يسيطر عليها رئيس مجلس الشورى وقيادات الحزب الوطني أحد الأساليب التي توظفها أجهزة الدولة في رفض إنشاء أحزاب جديدة، أو عدم الاعتراف بانتخاباتها. وقد تصاعدت في هذه الفترة الصراعات التنظيمية داخل هذه الأحزاب، ووصلت، في بعض الأحيان، إلى عقد مؤتمرات متوازية أو وقوع اشتباكات بين الأعضاء، كما شهدت حالات انشقاق وتأسيس أحزاب جديدة، ثم خروج بعض القيادات لبناء أحزاب أخرى، وهو تزايد بعد عام 2011. ورغم تأسيس عشرات الأحزاب بعد ثورة 25 يناير، لم ينعكس هذا بشكل حقيقي على تفعيل الحياة السياسية، إذ افتقرت كثير من هذه الأحزاب إلى قواعد اجتماعية واسعة، بل كان تعبيراً عن أشخاصٍ تبحث عن فرصة لتولى مواقع سياسية نيابية أو تنفيذية، وتكون جزءاً من المشهد السياسي الرسمي. وفي المقابل، واجهت الدولة عدة محاولات جادة بالقبض على أعضائها ومؤسّسيها، وهو ما حدث مع أحزاب تحالف وتيار الأمل.  في ظل تبني السادات ما سماها "ديمقراطية الأنياب"، خاضت أجهزته صراعاً سياسياً مع عدة أحزاب، خصوصاً في أعقاب انتفاضة 18 و19 يناير (1977) ويرجع استمرار ضعف البنيان الداخلي لهذه الأحزاب إلى عدة أسباب أهمها: فقدان الديمقراطية الداخلية داخلها، وعدم الاعتراف بالتنوع الجيلي داخلها، لأمر الذي يؤدّي إلى نشوء صراعات تنظيمية مستمرّة، وهو ما ينتهي بها إما إلى الدخول في مواجهات سياسية وقانونية داخلية أو الخروج وإنشاء كيان جديد. ... لجوء هذه الأحزاب إلى تغيير اللوائح التنظيمية التي تنظم المستويات الحزبية، بما يسمح بتمديد بقائها في المناصب، في اختراق واضح للديمقراطية داخل الحزب. ... دخول السلطة القضائية وأجهزة الدولة طرفاً على خط هذه الأزمات، ما يؤدّي إلي تجميدها العمل داخل هذه الأحزاب، أو الانتصار لطرف على حساب طرف آخر، أو باستغلال هذه الصراعات لتهميش معارضيها. في المجمل، يؤدّي هذا كله إلى استمرار غياب تلك الأحزاب عن الشارع، ومعاناتها من عزلة جماهيرية مستمرّة، وعدم ضم عضويات جديدة وفاعلة، وتوسيع نشاطها. وبالتالي، فقدان ثقة المواطنين فيها وفي فكرة التعدّدية السياسية عموماً، لتصبح هذه الأحزاب شيئاً فشيئاً جزراً منعزلة داخل المجتمع. وتنشغل باختلافها في الداخل، بما يضعف وجودها السياسي، لتصبح مجرّد صحيفة ولافتة حزبية في مقارّها. ... ويكرس هذه العزلة فرض أجهزة الدولة حصاراً سياسيّاً على هذه الأحزاب داخل المواقع الجماهيرية المختلفة، ومكافاة الأحزاب المقرّبة لها بالتعيين في مجلسي النواب والشيوخ والمجالس القومية. في النهاية، ما لم تتغيّر طريقة أداء أحزاب المعارضة في إدارة أوضاعها الداخلية بإجراء إصلاحات جادّة، تؤدّي إلى احترام التنوع الداخلي داخلها، والتأكيد على الالتزام بصياغة لوائح تنظيمية ديمقراطية تضمن تداول السلطة داخلها، والسماح لأجيال أخرى بتولي المواقع المختلفة، وتقدّم المثل على تبنّيها تلك القيم الديمقراطية التي تدعو إليها، سيزداد ضعفها ووزنها النسبي، ويؤدّي إلى تراجع دورها، وبالتالي إلى فشلها في إمكانية إحداث تغيير عميق في إدارة الحياة السياسية المصرية.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية