عربي
يأتي عيد النوروز هذا العام في إيران محمّلاً بثقل واقعٍ استثنائي لم تعرفه البلاد منذ الحرب العراقية الإيرانية في ثمانينيات القرن الماضي. هذا العيد، المرتبط في الوعي الإيراني بعودة الربيع وتجدد الطبيعة وانبعاث الحياة بعد قسوة الشتاء، يحلّ هذه المرة في ظل حربٍ مفتوحة وظروف داخلية مضطربة أعقبت الاحتجاجات الدامية. وهكذا يستقبل الإيرانيون سنتهم الجديدة في لحظة تختلط فيها رمزية البدايات بصدى الانفجارات وقلق المستقبل. في المخيال الثقافي الإيراني، لا يُعدّ النوروز مجرد مناسبة احتفالية، بل لحظة رمزية يعاد فيها ترتيب العلاقة بين الإنسان والطبيعة والزمن. ومع بداية الربيع تتجدد فكرة الاستمرار رغم ما يعتري الحياة من انقطاعات. ورغم تراجع الضجيج المعتاد في الأيام التي تسبق النوروز، بقيت مظاهر الإصرار على الحفاظ على طقوسه واضحة، فقد واصلت المحال التجارية فتح أبوابها بوتيرة أقل من الأعوام السابقة، بينما حرصت الأسر على إعداد موائد "السينات السبع" انتظاراً للحظة حلول السنة الجديدة عند الساعة السادسة والربع من مساء أمس الجمعة.
في خضم هذه الظروف برز مشهد اجتماعي لافت، إذ بدا المجتمع الإيراني أكثر ميلاً إلى التماسك تحت وطأة الحرب التي وحّدت الشارع رغم الخلافات والأزمات المتراكمة والصدمة التي خلفتها احتجاجات يناير/كانون الثاني الماضي، التي قُتل فيها أكثر من ثلاثة آلاف وفق الأرقام الرسمية. وقد دفعت تجربة الحرب والدمار فئات إلى إعادة التفكير في خطاب المواجهة وتمني حرب خارجية لإسقاط الجمهورية الإسلامية، خصوصاً مع المخاوف من أن تقود الحرب البلاد إلى مصير شبيه بالحالتين السورية والليبية. ويعكس هذا الأمر سمة للمجتمع الإيراني الذي كثيراً ما يظهر استجابات معقدة وغير متوقعة في لحظات الأزمات. في المقابل، بقيت قطاعات من المعارضة في الخارج، ولا سيما التيار الملكي، متمسكة بمواقفها الداعمة للحرب الأميركية الإسرائيلية، الأمر الذي عمّق الانقسام داخل صفوف المعارضة في الموقف من الحرب.
أما على المستوى الاجتماعي العام، فقد أظهرت الأسابيع الثلاثة الأولى من الحرب قدرة مؤسسات الدولة والخدمات الأساسية على الاستمرار في أداء وظائفها اليومية من دون تسجيل اضطرابات أو نقص في السلع الأساسية، ما ساعد في الحفاظ على الجبهة الداخلية ومنح السكان شعوراً نسبياً بالاستقرار رغم الضغوط النفسية. وبينما خفتت أصوات الموسيقى التقليدية التي ترافق عادة أسواق النوروز وحدائقه، ظهرت أشكال أكثر هدوءاً للاحتفال، فقد اكتفت كثير من العائلات بالاجتماع حول مائدة العيد في لحظة دخول السنة الجديدة، في طقس بسيط يحمل دلالة رمزية: أن الحياة، مهما اشتدت قسوة الظروف، قادرة على الاستمرار.
وهكذا يأتي النوروز هذا العام بطعمٍ مختلف، يجمع بين قلق الحرب ورغبة الناس في حماية طقوسهم وهويتهم الثقافية بما هي مساحة اجتماعية يعيد فيها المجتمع ترميم ذاته ويؤكد أن استمرار الحياة شكل من أشكال مقاومة الخوف وعدم اليقين. غير أن للحرب تبعات عميقة على مختلف الأصعدة ستتكشف آثارها لاحقاً، فمرحلة ما بعد هذه الحرب التي تنظر إليها الجمهورية الإسلامية بوصفها حرباً وجودية وتسعى بكل السبل لتجاوزها، ستكون أكثر تعقيداً وصعوبة من فترة المواجهة نفسها سواء على الصعيد الاقتصادي أو الإقليمي، ولا سيما في ظل الأزمة غير المسبوقة مع دول الخليج.
