الجزر التي لا تُشترى تُحتَل
عربي
منذ ساعة
مشاركة
هوس الولايات المتحدة بشراء الجُزُر لم يبدأ في غرينلاند، وليس من المرجّح أن يتوقّف عندها. فالرئيس الحالي الذي يهوى ممارسة جرائمه الجنسية في عرض البحر، والذي يفضّل السفرات القصيرة التي لا تنهك جسده الثمانينيّ، يريد على ما يبدو أن ينقضّ على الجزيرة الموجودة في عرض الكاريبي. رجالٌ هم الذين خطّوا هذا الهوس، فكما لا يستطيعون إعتاق امرأة دون إلحاقها بوصاية ما، هكذا تعاملوا مع الأرض. وجون كوينسي آدامز، الرئيس الأميركي السادس، ليس استثناءً. ففي رسالته الشهيرة في عشرينيات القرن التاسع عشر، وضع آدامز ما يُعرف بـ"قانون الجاذبية السياسية" أو نظرية "الفاكهة الناضجة". في منطقه الاستعماري، كانت كوبا وبورتوريكو تُعتبران ملحقتين طبيعيتين للقارة الشمالية، لذلك فمن الطبيعي أن تصبح الأولى تابعةً للولايات المتحدة عاجلًا أم آجلًا. فكيف تجرؤ على الاستقلال مستقبلًا عن الاحتلال الإسباني المتآكل وتبقى سيّدة نفسها؟ شبّه آدامز كوبا بـ"التفاحة" التي إذا ما انقطعت عن غصنها الإسباني بفعل رياح الثورة أو الضعف، فلا بد أن تسقط حتمًا في "حضن" الولايات المتحدة. لقد كان هذا تحديدًا حجر الأساس الذي بني عليه بعدها بقليل مبدأ "مونرو". عام 1848، عرض الرئيس جيمس بولك على إسبانيا مئة مليون دولار مقابل كوبا، وهو مبلغ فلكي حينها. وحين رفضت إسبانيا، جاءت "وثيقة أوستند" (Ostend Manifesto) عام 1854، وهي وثيقة سرية صاغها دبلوماسيون أميركيون في بلجيكا، أعلنت بوقاحة: "إذا رفضت إسبانيا البيع، فإن الولايات المتحدة ستنتزع كوبا بالقوة حمايةً للأمن القومي". منطقهم على ما يبدو كان دومًا متأرجحًا بين البيع والاغتصاب. سئمت كوبا لقب "الجزيرة الأكثر وفاءً" للتاج الإسباني، فانتفضت لانتزاع حريتها، لكن واشنطن سرقت هذا الحلم عام 1898 بذرائع إنسانية مهّد لها انفجار مفتعل للبارجة "ماين"، والتي كانت مهمتها الأساسية حماية الجالية الأميركيّة. تحوّل التحرير المزعوم إلى احتلال مقنّع، حيث أُقصي الثوار الكوبيون من معاهدة باريس التي حوّلت بلادهم إلى صفقة بين مدريد وواشنطن. أمّا الأميركيّ الذي لا يخرج عادة من دون أن يترك خلفه قواعد عسكريّة، فلم يغادر سوى بعد "تعديل بلات" الذي شرعن له ذلك، بعدما اقتطع لنفسه غوانتانامو. لتتحول الجزيرة من مستعمرة إسبانية إلى مخور للمافيا الأميركية، ومركعًا لأكثر سجونها وحشية. هكذا ولدت جمهورية منقوصة السيادة، حال كلّ الدول التي تقدّم شيئًا من ثقتها لـ"أميركا"، وظل الجرح الكوبي مفتوحًا حتى جاءت الثورة. في الأوّل من يناير/ كانون الثاني 1959، دخل الثوار بقيادة فيدل كاسترو وتشي غيفارا إلى هافانا ليعلنوا "حرب الاستقلال الثانية". لكن القطيعة الحقيقية كفعل مادي بدأت عندما تجرأت الثورة على مسّ "المقدسات" الأميركية: الأرض والنفط. حين أصدر كاسترو قانون الإصلاح الزراعي، لم يكن يوزع الثروة فحسب، بل كان يقتل "قانون الجاذبية" لآدامز عبر تأميم أراضي شركة "يونايتد فروت" العملاقة. وتعمّق الشرخ في صيف 1960 حين رفضت مصافي النفط الأميركية تكرير الخام السوفييتي بأمر مباشر من واشنطن لخنق الثورة في مهدها. ردّ كاسترو بتأميم تلك المصافي خلال 24 ساعة، مسددًا ضربة قاضية للهيمنة الاقتصادية الأميركية. هنا أسقطت واشنطن الأقنعة الدبلوماسية؛ كما تفعل في كل مرّة تخونها فيها ساديّتها. فردّت على من تريد "استعبادهم" بعقاب كان الحصار الاقتصادي الشامل في فبراير/ شباط 1962. تُفشي "مذكرة مالوري" السرية، أن الهدف الصريح آنذاك كان "إحداث الجوع واليأس" لإسقاط النظام. هكذا تحولت العلاقة من "تبعية بلات"، إلى قطيعة وجودية مستمرة حتى يومنا هذا، كأطول عقوبة جماعية في التاريخ الحديث. واقع العلاقات اليوم هو حالة من "الموت السريري" المشحون بالعداء الممنهج، حيث انتقلت واشنطن من محاولات الغزو العسكري الفاشلة إلى استراتيجية التجويع التكتيكي. فبعد انفراجة قصيرة وخادعة في عهد باراك أوباما، التي شهدت فتح السفارات وشطب كوبا من قائمة الإرهاب، جاء دونالد ترامب ليعيد عقارب الساعة إلى الوراء. في ولايته الأولى، أحكمت إدارة ترامب الخناق عبر 243 إجراءً عقابيًا جديدًا، كان أخطرها تفعيل "الفصل الثالث" من قانون هلمز-بيرتون، الذي يسمح للأميركيين بمقاضاة أي شركة دولية تستثمر في أملاك أُمّمت بعد الثورة، مما أصاب الاستثمار الأجنبي بالشلل. والأدهى من ذلك، هو إعادة إدراج كوبا في قائمة "الدول الراعية للإرهاب" في الأيام الأخيرة من ولايته، وهو المسمار الذي أبقاه جو بايدن مغروزًا في نعش الاقتصاد الكوبي حتى يومنا هذا. اليوم، العلاقات ليست دبلوماسية بقدر ما هي "حرب طاقة"؛ حيث تلاحق واشنطن ناقلات النفط المتجهة للجزيرة وتفرض عقوبات على شركات الشحن، مما أغرق كوبا في ظلام دامس وانقطاعات كهربائية دامت لأسابيع. ترفض القيادة الكوبية، بقيادة ميغيل دياز كانيل، أي حوار مع واشنطن يشترط "تغيير النظام" أو المساس بالثوابت الاشتراكية، على الرغم من تهديد ترامب الأخير بأنه سيتفرّغ لكوبا حالما ينتهي من إيران. تحاول الجزيرة الشيوعية أن تعزز تحالفاتها مع خصوم واشنطن (روسيا والصين) لاستقطاب الاستثمارات في قطاع الطاقة، كما تخوض معركة دبلوماسية سنوية في الأمم المتحدة، حيث تحشد العالم أجمع -باستثناء الولايات المتحدة وإسرائيل- للتصويت ضد الحصار. الموقف الكوبي الشعبي، رغم تمزقه بين الحرمان والرغبة في التغيير، لا يزال يرى في واشنطن "الجلاد" وليس "المنقذ"، فيا ليتهم ينقلون قليلًا من هذه الرؤية لبعض من شعوبنا التي تتعمد غضّ البصر عن سياط تلك الدولة. كوبا في الذاكرة الجماعية، ترتدي بدلة زيتيّة، تدخّن سيجارًا، وتشبه "تشي غيفارا". فهل تبقى كلمتها واضحة كتلك التي ألقاها أمام الأمم المتحدة: فيكون الخيار "Patria o Muerte"؟

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية