يوم عيد الفطر في اليمن.. أجمل أيام السنة وأكثرها إرهاقاً في آن واحد
أهلي
منذ ساعتين
مشاركة

أعد التقرير لـ”يمن ديلي نيوز” عارف الواقدي: مع بزوغ شمس أول أيام عيد الفطر، يرتدي اليمنيون ثوب الأمل فوق جراح الحرب، محاولين استجماع شتات فرحتهم في طقوس تبدأ بصلاة العيد ولا تنتهي عند حدود السهر، في مشهد يبرز قدرة اليمنيين على التمسك بالحياة رغم كل الظروف.

تبدأ ملامح اليوم من مشاهد المصليات المفتوحة، التي تكتظ بمئات المصلين بالزي الشعبي التقليدي “الثوب الأبيض والجنبية المذهبة والشال الملون”.

عقب الصلاة، تبدأ لوحة اجتماعية تُعرف بـ”المعواد الجماعي”، حيث يصطف المصلون في صفوف طويلة لمصافحة بعضهم البعض وتبادل التهاني بعبارات “عيدكم مبارك” و”عساكم من عواده”، في مشهد يذيب الخلافات ويجدد روابط الأخوة.

“المعاودة” و”العيدية”

يمثل نهار العيد ضرورة للرجال والشباب لزيارة الأقارب، وخاصة النساء من الأخوات والعمات والخالات، فيما يُعرف بـ “المعاودة”.

​ولا يكتمل العيد دون زيارة الأرحام؛ فهو اليوم المقدس للتواصل، حيث يطوف اليمنيون منازل الأقارب فيما يُعرف بـ”المعايدة” والتي تشمل تقديم “العيدية” وهي (مبالغ مالية رمزية) للنساء والأطفال.

يقول الحاج عبدالله (65 عاماً) من صنعاء: “رغم تعب السنين وغلابة العيش، لا يمكن أن يمر العيد دون أن أطرق أبواب شقيقاتي وبناتي. العيد في اليمن هو جبر خاطر قبل أن يكون كعك وحلويات، فالحرب قطعت الطرقات لكنها لم تقطع أرحامنا”.

ويقول أحمد الخولاني: “العيد في اليمن ليس مجرد مناسبة دينية، بل هو أداة لترميم النسيج الاجتماعي”. ويضيف “ففيه يحرص اليمني على زيارة الأهل والأقارب رغم شتات العائلات الذي فرضته ظروف النزوح والحرب”.

في المقابل رصد “يمن ديلي نيوز” تبايناً حاداً في كيفية قضاء الساعات الأولى من نهار العيد.

فبينما يفضل قطاع واسع من اليمنيين لاسيما الشباب “المواصلة” (البقاء مستيقظين منذ ليلة العيد وحتى مساء يوم العيد)، تعبيراً عن رغبتهم في استغلال كل دقيقة من زمن الفرح، يلوذ آخرون بالنوم العميق فور انتهاء الواجبات الاجتماعية.

صراع البهجة والإرهاق

وبينما تشرق شمس العيد محملة بآمال الفرح، يجد الكثير أنفسهم في صراع مع “فاتورة السهر”.

فبعد ليلة ختامية يقضيها الناس في التجهيز والعبادة والتسوق حتى خيوط الفجر الأولى، يتحول نهار العيد لدى شريحة واسعة إلى اختبار حقيقي للصمود الجسدي، حيث يقول محمود الأحمدي – عامل – إن اليمنيين يهيئون أنفسهم لـ “فاتورة سهر” تصل لـ 48 ساعة.

تقول أم ريم: “بعد تعب رمضان وتجهيزات الكعك وتنظيف المنزل، أشعر أن أول يوم عيد هو فرصة لالتقاط الأنفاس. أسلم على المقربين ثم ألوذ بالنوم، فالعيد فقد الكثير من بريقه بسبب غياب زوجي المغترب وصعوبة التنقل”.

آخرون يرون أن “النوم العيدي” لبعض أرباب الأسر قد يكون وسيلة دفاعية للهروب من التزامات العيد المادية المرهقة، أو نتاجاً لإرهاق السهر في ظل غياب الخدمات الأساسية خصوصا الكهرباء في كثير من المناطق.

 طقوس مؤجلة ونوم قسري

الإعياء الشديد نتيجة السهر يفرض إيقاعاً مغايراً للتقاليد المتعارف عليها؛ فبدلاً من الانطلاق المباشر في “زيارة” الأقارب والأرحام عقب صلاة العيد، يضطر الكثيرون للاستسلام لنوم قسري يمتد لساعات الظهيرة.

هذا التراخي البدني يدفع البعض إلى تأجيل الواجبات الاجتماعية والزيارات العائلية إلى المساء أو حتى إلى اليوم الثاني من العيد، لتتحول الشوارع في ظهيرة اليوم الأول إلى سكون يشبه الهدوء الذي يسبق العاصفة، حيث يختبئ المحتفلون خلف أبوابهم لاستعادة أنفاسهم، قبل أن يعودوا لاستكمال مسيرة الفرح وزيارة الأقارب بملامح يكسوها الإرهاق رغم الملابس الجديدة.

ظاهرة “المواصلة”

ظاهرة “المواصلة” للسهر، أصبحت طقساً شبابياً بامتياز في اليمن، خلال أول أيام عيد الفطر المبارك، حيث يرفض الكثيرون النوم ليلة العيد لاستغلال كل لحظة. يقول مازن (22 عاماً) وهو يقاوم النعاس: “واصلتُ مع أصدقائي لتجهيز جعالة العيد وترتيب المجلس.. النوم بالنسبة لنا ضياع لأول يوم فرح”.

عدم التأقلم

لم يخلُ نهار العيد من شعور بـ”عدم التأقلم” لدى فئات واسعة من اليمنيين، حيث يتحدث الكثير بأنهم لايعودون على جدول النوم الطبيعي ليلاً إلا بعد مرور أسبوع على الأقل، حيث يتسم الأسبوع الأول بعد عيد الفطر بالسهر وتأخر مواعيد النوم.

وبينما يقبع الآباء خلف الأبواب الموصدة يبحثون عن النوم، تضج شوارع اليمنيين بضحكات الأطفال الصغار وألعابهم، برغم أن كثير منهم لم يناموا خلال الليل لكن فرحتهم بحلول العيد الذي طال انتظاره طرد النوم الذي يريد أن يقاسمهم هذه الفرحة.

وبعد مرور الساعات الأولى لأول أيام العيد تخلو الشوارع من الكبار خلال الساعة 11 إلا من القليل، بينما تصبح الشوارع ساحة خاصة للأطفال الذين يقضون فيها وقتاً وعيداً ممتعاً.

وتعد “خطة جمع العيدية” هي الشغل الشاغل للأطفال، لاستثمارها في ركوب المراجيح وشراء الألعاب والمفرقعات (الطماش)، مما يضفي صخباً محبباً يكسر هدوء المدن.

الإرهاق يدفع الكثيرين إلى عدم الذهاب إلى الحدائق والمتنزهات في اليوم الأول للعيد، إلا أن الحدائق تجدها أيضاً ممتلئة، حيث تفضل العديد من الأسر التي نامت خلال الليل قضاء هذا اليوم في المتنزهات العامة.

توثيق اللحظة

وفي مشهد لافت، تطغى “الصورة العيدية” على الأجواء، حيث يتسابق المواطنون لتوثيق لحظاتهم عبر الهواتف الذكية، ونشرها على مواقع التواصل الاجتماعي، حيث لم تعد الصورة مجرد توثيق شخصي، بل أداة تواصل مع المغتربين والنازحين عبر منصات التواصل الاجتماعي، لمد جسور المعايدة الافتراضية حيثما عجزت الأقدام عن الوصول.

في كل زاوية، من الشوارع والحدائق وحتى في البيوت، تجد هواتف ذكية مرفوعة لـ التقاط الصور العيدية.

يؤكد عمر الحميدي – طالب جامعي – لـ”يمن ديلي نيوز”: أن الصورة في العيد شيء مهم يتم التحضير له والاستعداد بشكل كامل لنشرها في مواقع التواصل الاجتماعي.

ويضيف: “الصورة العيدية اليوم ليست مجرد ذكرى، هي إثبات وجود. عندما ننشر صورنا بملابس العيد، نحن نقول للعالم إننا ما زلنا نحب الحياة رغم أصوات القذائف التي اعتدنا عليها”.

المائدة اليمنية

في اليمن، لا يكتمل نهار العيد دون “صُبحية العيد” التي تتصدرها أطباق شعبية متوارثة. حيث تتربع “بنت الصحن” المسقية بالعسل البلدي والسمن على عرش المائدة، وإلى جانبها “السبايا” و”المعصوب”.

كما تبرز “جعالة العيد” كجزء أصيل من كرم الضيافة، وهي تشكيلة من الزبيب واللوز والفستق والحلويات المحلية التي تُقدم لكل زائر يطرق الباب.

بين الريف والمدينة

وبينما تمتاز الأعياد في الريف اليمني بـ”البرع” (الرقص الشعبي بالخناجر) والزوامل القبلية في الساحات العامة، تأخذ المدن طابعاً آخر من خلال التنزه في المتنزهات العامة والمولات، لكن جوهر التواصل العائلي يظل هو الرابط المشترك الذي لا يتبدل.

ويبقى نهار العيد في اليمن شهادة حية على إرادة شعب يرفض أن تموت بهجته. فرغم تداعيات الحرب، وتشتت الشمل، وضيق ذات اليد، يظل اليمني متمسكاً بابتسامته العيدية، ممارساً لطقوس السلام، بانتظار عيدٍ أكبر يجمع شتات الوطن كما يجمع شتات القلوب في هذا اليوم.

ظهرت المقالة يوم عيد الفطر في اليمن.. أجمل أيام السنة وأكثرها إرهاقاً في آن واحد أولاً على يمن ديلي نيوز Yemen Daily News.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية