عربي
في قبو واسع، تتكدّس فيه آلاف السلع، تبدو الفتاة نقطةً وسط ضخامة المكان المعتم. تتلقى الطلبات عن بعد، وتُجهّزها. مع التسويق الإلكتروني، صار تقسيم العمل مضبوطاً. لذا، لا داعي للتواصل المباشر مع من هم في المكان نفسه. حتى عندما يكون هناك تواصل أو تعامل، فهذا تنمّر مِمَّن لا يلائمون المعايير السائدة.
كيف تكون حياتك حين لا تحبّ أحداً، ولا يحبّك أحد؟ تغزو الظلمة قلبك، موديةً بك إلى الشك.
هذا مقطع من وحدة الفرد وسط آلاف الأشخاص، في فيلم ذي عمق سوسيولوجي نادر، بفضل اختيار الفضاء والشخصية (Pavane للكوري الجنوبي لي جونغ ـ بي، 2026، نتفليكس). لحظة التواصل وحيدة الغذاء، حين يتجمّع العمال والعاملات، المنقسمات إلى طوائف، أرقاهن الفتيات الجميلات اللواتي تدغدغ كاميراتُ هواتفهن غرورَهن. لا تنطبق معايير الجمال المطلوبة على فتاة القبو. لذا، تتعرّض للسخرية والنبذ. يتحدث زملاء العمل، فيجعلون أحدهم موضوع الجلسة. النميمة عاهة بشرية. يقطّعونه ويسحقونه بالملاحظات السلبية. يتحمّل ذلك ليستمرّ في كسب رزقه. يتحمّل الفرد لعبة الأقنعة، ويتظاهر بالتفهم، بسبب الشكوك في نيات الآخر. لا أحد يتوقع نهايات سعيدة للعلاقات البشرية.
خوفاً من التواصل مع البشر، صار الهاتف خير أنيس للفرد الذي تسحقه العزلة، وتخرّب فرضيات تميّزه وتفوقه ومستقبله الزاهر. يقدّم الهاتف تسلية فردية بلا حنان لجيل زد. تسلية تُغرق الشخص في عزلة. بالكاد يتواصل مع الآخرين، بنصف ابتسامة صفراء، بينما يمنح حنانه لقطة. هذا حال مئات الملايين في هذا العالم القاسي والبارد. مع ذلك، في لقطات عدّة، هناك دفء يبعث الأمل.
هذا مقطع من حياة شبحية لعاملة مخزن سلع، يقع في قبو تحت أرضي في عمارة شاهقة. القبو مكان عمل وعيش. نادرة اللقطات فوق الأرض. حين تخرج الفتاة من القبو المعتم، تمضي في طريق طويل. يبرز مونتاج المكان كيف تمضي الشخصية في درب طويل، فيه إنارة قليلة. درب مغلق لا أفق له. نُحِت المكان ليتناسق ومعنى السرد. هكذا تكشف اللقطة ما تشعر به الشخصية.
طوّع الأسلوبُ المادة، لأن للمخرج ثقافة إيقاعية موسيقية وبصرية تشكيلية. حصل هذا التطويع في نصف الساعة الأول، ثم انخفض المستوى الفني على صعيد اللعب بمونتاج المكان.
في القبو، قُسِّم العمل ومشاركة الطعام. تحت الكاميرات، تصير الحياة نسخة من تلفزيون الواقع. كل من يقف أمام كاميرا هاتفه يتصنّع ويُلمّع ويتظاهر بالبهجة، ثم يصفعه الواقع عندما يجلس وحيداً، فيرتدّ إلى نفسه. الواقع قاسٍ، والشاشات فاتنة. للنجاة من هذه المفارقة، لا تحمل فتاة القبو هاتفاً، ولا تكتب مذكراتها، كما فعل فيودور دوستويفسكي. تكيفت مع لا مبالاة العالم بتفاصيل حياتها، سواء وقعت أو تبلّلت مساءً، أو نامت، أو بكت، أو ضحكت، حتى جاء شاب مختلف.
بفحص سوسيولوجيا العمل في زمن ما بعد الحداثة، يتضح أن المجتمعات الآسيوية تتأمرك، وتتفكّك. في مجتمع صناعي تجاري، يعرف الفرد نفسه بعمله، وبما يأكله. ليس لديه أي انتماء أو انتساب أو صلة بجماعة أو أسرة. صار الفرد حراً تماماً، ومنقطعاً عما/عمن حوله، أي مقذوفاً به في الفراغ. يعيش حياة ماكدونالدية. يدفع لنفسه، ويخدم نفسه بنفسه. لا ينتظر شيئاً من أحد، ويتعجّب بشدة حين يجد من يهتم به بصدق، فيشكّ ويمضي حياته وحيداً مقذوفاً في الخواء بلا جذور.
في عزلته، صار الفرد يعرف نفسه ومحيطه بمعاييره الخاصة. لكن، في المجتمع، صارت النقود وحدها المعيار العام الجامع. السوق مَلِك. لا بُدّ للفرد من ممارسة مهنتين أو أكثر، ليكسب ما يكفي من المال قبل شيخوخته. يمرّ الوقت، وتقلّ صحّته وماله، وتنمو شكوكه. شك يولد سخرية من كل شيء، وهكذا يصير وغداً.
كيف تقاوم فتاة القبو الريفية هذا المسخ؟ باختيار نهجها. خطر أن ينسخ الفرد إيقاع حياته على إيقاع العالم. انتقلت بين عالمين حاملة حقيقتها الأولى التي أنقذتها من مسخ قانون السوق. شخصية بلا أي بصمة بطولة. لكن قوتها تكمن في أنها تتصرف بطريقة مطابقة لنفسها، بينما تلاحظ من حولها يتظاهرون. تأملت الحروب البشرية الأبدية، فاستنتجت أن التعامل مع المطر أسهل من التعامل مع البشر. كل من يبحث عن ارتباط عميق في زمن العلاقات العابرة يتعرّض للسخرية. لذا، لم تعد فتاة القبو تتوقّع أن يفهمها أي شخص. صار هذا مريحاً لها. أغلقت عليها الأبواب، لتصون سلامها الداخلي. ثم جاء مَن داوم الطَرق، حتى فتحت له. للهروب من روتين القبو، لا بديل غير الحلم والفن.
هذا فيلم في تعريف الحب في زمن السوق والعلاقات البشرية العابرة. يبحث الرجال عن علاقات عابرة، لا تتحمّلها فتاة القبو.
حين يهيمن التظاهر على العلاقات البشرية، كيف يمكن اكتشاف أو تصديق المشاعر الحقيقية؟ باختبار الزمن. يحتاج الحب الحقيقي وقتاً طويلاً ليُثمر. كتب ابن حزم: "ما دخل عسيراً لم يخرج يسيراً".
